شرح
فإن قيل : ما ذكرت إنّما يدلّ على أنّ مبدأ أمثال تلك الأمور نفس « 1 » ، وأمّا أنّه نفس للعالم بكلّيّته فلا ، ولِمَ لا يجوز أن يكون نفساً لعالم العناصر بجملته لا لكلّيّة العالم على ما ادّعيت ؟
قلنا : لا يجوز ذلك ؛ لأنّ الأشبه أنّ تلك النفس المبدأ لتلك الحوادث لا بدّ أن تكون مدركة للجزئيات ، فتحسّ « 2 » بها « 3 » إحساساً يليق بها ليكون مشاهدة لتغيّرات في سكّان هذا العالم « 4 » يحدث فيها منها تعقّل للأمر الذي يدفع به ذلك النقص والشرّ ، ويجلب الخير ، فيتبع ذلك المتعقَّل وجود الشيء المتعقّل ، فإنّ عناية مثل هذا الجوهر يجب أن يكون لدفع كلّ نقص وشرّ يدخل في هذا العالم وأجزائه ليتبع تلك العناية ما يلزمها من الخير والنظام ، فلا يجب أن يختصّ ذلك بشيء دون شيء ، فإن كان دعاء لا يستجاب أو شرّ لا يدفع ، فهناك شيء لا يطّلع عليه ، ولمّا كان تعقّل هذا الجوهر يتبعه الصور المادّيّة في المادّة ، فلا يبعد أن يهلك به شريرٌ ، أو يعيش « 5 » خيرٌ ، أو يحدث نارٌ ، أو زلزلة إلى غير ذلك بدون الأسباب المعتادة ، فيجب أن تكون « 6 » مدركة للجزئيات ، فلها آلات جسمانيّة بها تدرك « 7 » تلك الجزئيات ؛ لامتناع إدراك الجزئي من حيث إنّه جزئي من النفس بدون الآلات الجسمانيّة ، فلا بدّ لها من جِرم يمكن أن يكون موضوعاً لانتقاش صور تلك الجزئيات ، ومقرّاً لتخيّلها ، ومحلًاّ لتلك الآلات الجسمانيّة ، وليس في العالم العنصري جسم كذلك ؛ لسرعة فساد الأجسام العنصريّة وعدم ثباتها وبقائها ، وهو ظاهر .
وممّا ذكرنا ظهر أيضاً أنّ لهذه النفس آلاتٍ وقوى جسمانيّةً هي وَهْم الكلّ وخيال الكلّ وحسّ الكلّ على ما أثبته بعض المحقّقين ؛ لأنّها على ما عرفت لا بدّ أن تكون « 8 » مدركة للجزئيات . والجزئيات ثلاثة أنواع : منها ما يدرك بالوهم ، ومنها ما يدرك بالخيال ، ومنها
هامش
( 1 ) . في النسخة : « نفساً » .
( 2 ) . في النسخة : « أن يكون . . . فيحسّ » .
( 3 ) . أي بالجزئيّات .
( 4 ) . في النسخة : « العام » .
( 5 ) . في النسخة : « تعيش » .
( 6 ) . في النسخة : « يكون » .
( 7 ) . في النسخة : « يدرك » .
( 8 ) . في النسخة : « يكون » .