شرح
كما يقال : هذه الحمّى تشتدّ غبّاً ، وكلّ حمّى كذلك محرقة ، فهي محرقة ؛ فإنّ الاشتداد غبّاً ليس معلولًا للإحراق ولا علّة له ، بل كلاهما معلولان للصفراء المتعفّنة خارج العروق ، وذلك لا يختصّ باسم ، وإنّما سمّيتا ب « لمّ » و « إنّ » لأنّ اللمّيّة هي العلّيّة ، والإنّيّة هي الثبوت ، وبرهان « لمّ » يفيد علّة الحكم ذهناً وخارجاً ، فسمّي باسم اللمّ الدالّ على العلّيّة ، وبرهان « إنّ » إنّما يفيد علّة الحكم ذهناً لا خارجاً ، فهو إنّما يفيد ثبوت الحكم في الخارج ، وأمّا أنّ علّته ماذا ، فهو لا يفيد ذلك ، فسمّي باسم « إنّ » الدالّ على الثبوت . والبرهان اللمّي أشرف وأوثق من الإنّي ؛ لما مرّ من أنّ أوفق البراهين في إعطاء اليقين إنّما هو الاستدلال بالعلّة على المعلول ، وأمّا الاستدلال بالمعلول على العلّة ، فإنّه قد لا يكون مفيداً لليقين ، وذلك فيما له سبب ، وقد يكون ذلك فيما لا سبب له ، كما بيّن في موضعه .
ثمّ براهين إثبات الواجب على قسمين :
أحدهما ما اخذ فيه حال الممكن ، أو الحادث وكونهما محتاجين « 1 » إلى مؤثّر وعلّة كما مرّ بعض أفراده .
وثانيهما ما لم يؤخذ فيه ذلك كتقسيم مفهوم الوجود ، أو الموجود وإثبات الواجب بهذا التقسيم ، أو غير ذلك كما سيجيء ذكر بعضه إن شاء اللَّه تعالى .
والمشهور بينهم تسمية القسم الأوّل بالبرهان الإنّي ، والقسم الثاني بالبرهان اللمّي . ولا يذهب عليك أنّ القسم الأوّل - من حيث إنّه استدلال بالممكن أو الحادث على أنّ له علّة وصانعاً « 2 » واجب الوجود بالذات - برهانٌ لمّي واستدلالٌ بالعلّة على المعلول ؛ لأنّ كون الشيء ممكناً أو حادثاً علّة لكونه ذا علّة واجب الوجود بالذات ، ومن ذلك يحصل العلم بوجود الواجب ، وقد صرّح به الشيخ في الشفاء حيث قال :
المؤلَّف في قولك : كلّ جسم مؤلَّف من هيولى وصورة ، وكلّ مؤلَّف فله مؤلِّف ليس هو الحدّ الأكبر بل إنّ له مؤلِّفاً ، وهذا هو المحمول على الأوسط ؛ فإنّك لا
هامش
( 1 ) . في النسخة : « محتاجان » .
( 2 ) . في النسخة : « صانع » .