سائر اللذّات العاجلة الفانية ، وبالأخرى تحرص على تناول العلوم الحقيقية والخصال الحميدة المؤدّية إلى السعادات الباقية الأبدية ، وإلى مسلك هاتين القوتين أشار سبحانه بقوله :
وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ
« 1 » ، فان جعلت القوّة الحيوانيّة منقادة للقوة العقلية فقد فزت فوزا عظيما واهتديت صراطا مستقيما ، وان سلطت الحيوانية على العقل وجعلته منقادا لها ساعيا في استنباط الحيل المؤدية إلى مراداتها هلكت يقينا وخسرت خسرانا مبينا .
وتوضيح ذلك وكشفه عليك بان تعلم أن الله خلقك على مثاله وجعل ما تتصرف فيه اعني البدن بما فيه من القوى عالما صغيرا يضاهى العالم الكبير ، وما من شيء في العالم الا ومنه أنموذج في عالمك الصغير ومملكتك ، لكن الغالب والعمدة فيك مبادى أربعة : أوصاف الملكية والسبعية والبهيمية والشيطانية :
فمن حيث الملكية تتعاطى افعال الملكية من العلم والطهارة والطاعة والتقرب إليه تعالى ، ومن حيث القوة الغضبية تتعاطى افعال السباع من العداوة والبغضاء والتهجم على الناس بالضرب والشتم وحب الرئاسة والتغالب ، ومن حيث القوة الشهوية تتعاطى افعال البهائم من الشره والشبق والحرص ، ومن حيث القوة الشيطانية تتعاطى افعال الشياطين فتستنبط وجوه الشر بالمكر والحيلة والجربزة وتتوصل بها إلى اغراض النفس والهوى .
فكأن المجتمع فيك وفي اهابك أيها الانسان ملك وشيطان وكلب وخنزير :
فالكلب هو الغضب والخنزير هو الشهوة والوهم مثال الشيطان .
فان الاشتغال بجهاد هذه الثلاثة ودفع كيد الشيطان ومكره بنور البصيرة العقلية وبكسر شره هذا الخنزير بتسليط الكلب عليه تارة ، إذ بالغضب تنكسر الشهوة وأذللت الكلب بتسليط الخنزير عليه أخرى وجعلت الكل مقهورين تحت سياسة العقل ، اعتدل الامر وظهر العدل في مملكة البدن وجرى الكل على الصراط المستقيم ، وان لم تجاهدهم فقهروك وخذلوك واستخدموك ، فلا يزال تكون في استنباط الحيل
و
هامش
( 1 ) . البلد / 10