أَثِيمٍ
« 1 » وقوله :
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ
. « 2 »
فظهر انّ هذه الهيئة الراسخة والحالة الباطنة إذا اشتدّت وتجوهرت « 3 » وتمثّلت وتصوّرت في عالم الباطن والملكوت بصورة تناسبها هي المسماة في عرف الحكمة بالملكة وفي النبوّة بالملك والشيطان في جانبي الخير والشرّ ، ولو لم يكن لتلك الملكات والنيات من الثبات والتجوهر ما يبقى ابد الآباد لم يكن لخلود أهل الجنة في الثّواب ابدا ولخلود أهل النار في العقاب مؤبدا وجه صحيح ، فان منشأ الصواب « 4 » والعذاب ومقتضيهما « 5 » لو كان نفس العمل أو القول وهما أمران زائلان يلزم بقاء المسبب مع زوال السبب المقتضى ، وذلك غير صحيح ، ومثل هذه المجازات لا سيما في جانب العقاب لا يليق بالحكيم وقد قال :
وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
« 6 » ، وقال :
وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ
. « 7 »
فاذن انما يخلد أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار بالثبات في النيّات والرّسوخ في الملكات ، ومع ذلك فان من فعل مثقال ذرة من الخير أو الشر يرى اثره مكتوبا في صحيفة ذاته أو صحيفة ارفع من ذاته مخلدا ابدا كما قال :
فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ
« 8 » ، وإذا حان وقت ان يقع بصره إلى وجه ذاته عند فراغه عن غشاوة الطبيعة وشواغل هذه الحياة الدنيا وما يورده الحواس ويلتفت إلى صحيفة « 9 » باطنه وصحيفة ذاته ولوح قلبه وهو المعبّر عنه بقوله تعالى :
وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ
« 10 » ، وقيل له :
فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
« 11 » ، فمن كان في غفلة عن أحوال نفسه وحساب حسناته وسيئاته يقول :
ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً
« 12 » ،
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً
. « 13 »
هامش
( 1 ) . الشعراء / 221 و 222
( 2 ) . الزخرف / 36
( 3 ) . كذا في جميع النسخ والظاهر الواو زائدة .
( 4 ) . كذا في جميع النسخ والظاهر : الثواب .
( 5 ) . مقتضيها - ط
( 6 ) . ق / 29
( 7 ) . البقرة / 225
( 8 ) . عبس / 13 - 16
( 9 ) . صفحة - م - د
( 10 ) . التكوير / 12
( 11 ) . ق / 22
( 12 ) . الكهف / 49
( 13 ) . آل عمران / 30