ثم هذا المرض الّذي عرض لذواتهم والحالة المنافية التي قامت بهم لولا ان وجدوا من ذواتهم قبولا لعروضهما لهم واذنا في لحوقهما بهم لم يكونا يعرضان لهم ولا يلحقان بهم ، فاذن كان مما يقتضيه ذواتهم ان يلحقهم أمور منافية مضادة لجواهرهم ، فإذا لحقتهم تلك الأمور اجتمعت فيهم « 1 » جهتان : فكانت ملائمة منافية ، اما كونها ملائمة :
فلان ذواتهم اقتضتها ، واما كونها منافية : إذا فرضنا انها قد اقتضت ان يعرض لهم أمور منافية لهم ، فلو لم تكن منافية لهم لم يكن ما فرضناه مقتضى لها بل امر اخر ، هذا خلف . فالشيء عند عروض مثل هذا المنافى متلذ « 2 » متألم سعيد شقى . ملتذ ولكن لذته ألمه ، سعيد ولكن سعادته شقاوته ، وهذا عجيب جدا ولكن أوضحناه ذلك أيضا حالم يبق معه عجب إن شاء الله :
فمهما سمعت الله عز وجل يذكر هؤلاء بالبعد والشقاوة ، فهم أشقياء مبعدون لا شك في ذلك ، فن العذاب مطبق « 3 » عليهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم .
ومهما سمعته عز وجل ينبئ عن خلقه كله بالحسن والبهاء ويذكر نفسه بالرحمة التي وسعت كل شيء ، فاعلم أنه بالنظر إلى تلك الجهة الدقيقة التي نبهناك عليها : ان ذواتهم لو لم يستدع عروض العذاب الدائم لم يكن يفعل بهم ذلك ، فان الله عز وجل لا يولى أحدا الا ما تولاه عدلا منه ورحمة ، وان الله خلق الخلق كله في ظلمة ثم قال لهم : ليختر كل منكم لنفسه صورة اخلقه عليها وهو قوله تعالى :
وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ
. « 4 »
فمنهم من قال : اخلقنى خلقا حسنا أحسن ما يكون حتى لا يكون مثلي أحد في الحسن والجمال وهم المؤمنون ، ومنهم من قال : اخلقنى خلقا قبيحا ابعد ما يكون من التناسب واوغله في التنافر حتى لا يكون مثلي في القبح والبعد عن الاعتدال أحد ، وكل منهما أحب لنفسه التفرد فان حب الفردانية فطرة الله السارية في كل الأمم التي تقوم بها وجود كل شيء ، فخلق الله كلا على ما اختاره لنفسه .
يا حبيبي ! فتحت كل نكره معرفة وقبل كل لعنة رحمة وهي الرحمة التي وسعت كل
هامش
( 1 ) . فيها - م - د
( 2 ) . ملتذ - د - ط
( 3 ) . محيط - النسخة البدل
( 4 ) . الأعراف / 11