الفعلية والبروز والشهود متى شاء وأراد ، وانما للاختيار مدخل في بعض الحركات النفسية والبدنية المناسبة لها وهي أيضا لا تكون الا بتوفيق الله وتقديره .
وكذلك القياس في الطرف المقابل لهذا الطرف ومبدئه وغايته وكمونة وظهوره والاعمال والافعال التي بحسبه ، وانما لم يذكر عليه السلام قرينة هذه العبارة التي ذكرها في باب الهداية تعويلا على فهم المخاطب أو المستمع الذكي .
فكأنه قال أيضا : ان الله إذا أراد بعبد شرا اظلم جوهر روحه وقسى قلبه فلا يسمع معروفا الا أنكره ولا منكرا الا عرفه ، ثم يقذف الله في قلبه كلمة سفلية ظلمانية يجمع بها كل امره من جهله وشرارته وكفره ومعصيته كما قال تعالى :
وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا
« 1 » ، وكقوله :
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ . . .
إلى قوله :
كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ
« 2 » ، وقوله :
كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ . . .
إلى قوله :
وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ
. « 3 »
لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ
. « 4 »
واما الشبهة المشهورة في هذا الباب اى باب الخير والشر الكائنين والسعادة والشقاوة الذاتيين فقد سبق تقريرها وحلها .
ولبعض العرفاء كلام لطيف في هذا المقام حقيق بالاذعان والتصديق حرى بالامعان والتحقيق قال في رسالته الموسومة بالهواتف : قد حاول بعض المتفلسفة ان يقيم الشر والشقاوة الكائنين منه تعالى في الوجود معذرة ويحبب الله عز وجل إلى عباده فقال : ان هاهنا ما هو صلاح وخير بالنسبة إلى النظام الكلى والامر الأعم وما هو صلاح وخير بالنسبة إلى النظام الجزئي والامر الأخص ، وإذا تعارضا فلا بد من تقديم ما هو صلاح النظام الكلى والامر الأعم واهمال جانب الجزئي ، كمن قطع عضوا لصلاح الجسد ، وجعل كل شر وخير لاحقين لآحاد الناس واجبين في النظام الكلى . ولعمري انه أراد ان يحبب الله إلى عباده بحسن الثناء عليه فنفرهم عن ذلك من وجهين :
أحدهما : انه أراهم ان ربهم فارقهم وهاجرهم ورماهم بالمصائب والنوائب
هامش
( 1 ) . التوبة / 40
( 2 ) . الانعام / 125
( 3 ) . إبراهيم / 24 - 26
( 4 ) . يونس / 64