قوله : ان الله خلقنا فأحسن خلقنا ، أراد به هذا الخلق العنصري وحسنه اعتدال مزاجه واستواء اجزائه وتناسب أعضائه واشكالها وهيئاتها ، فان تسوية المواد والأشباح وتعديلها على حسب شرافة الصور والأرواح ، فالروح الأكمل للمزاج الاعدل .
وقوله : وصورنا وأحسن صورنا ، أراد بها الصورة الباطنة النفسانية وحسنها وصفائها وذكائها وعدالتها وحسن اخلاقها واتصافها بالملكات الفاضلة وسلامتها عن الأمراض الباطنة والرذائل النفسانية .
وقوله : وجعلنا عينه في عباده ، هذا وما يتلوه باعتبار مرتبة الروح العقلي الّذي هو اخر المراتب الباطنية ومنتهى درجة الانسانية في الكمال ، وقد سبق مرارا ان للانسان الكامل مقامات ودرجات جوهرية يصل إليها في سيرها « 1 » الباطني وسلوكه الجوهري وسفره المعنوي إلى الله ، فإذا بلغ إلى مقام الروح الامرى المضاف إلى الله في قوله :
وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
« 2 » ، وهو لا يكون الا للأنبياء الكاملين والأولياء الواصلين صلوات الله عليهم صار متحدا بأمر الله وكلمته ، وكذلك الذوات المتعددة الكاملة والنفوس المفارقة الفاضلة عند بلوغها إلى هذه الدرجة العقلية تصير واحدة وحدة عقلية كلية لا وحدة عددية يقابلها الكثرة ويحصل من تكررها وانضمام أمثالها الكثرة ، إذا لعقلي الكلى لا ثاني له من نوعه ، وعند ذلك يصير الانسان متوسطا بين الله وبين الخلائق في الايجاد والتأثير والخلق والتقدير والتصرف والتدبير ، وحيث يكون باقيا ببقاء الله فيكون أيضا مؤثر بتأثير الله خالقا بخلق الله مكونا بتكوين الله ، ولأجل ذلك صارت طاعته طاعة الله وعبادته عبادة الله كما قال تعالى :
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ
« 3 » ، وقال :
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
. « 4 »
وروى عنه صلى الله عليه وآله : من رآني فقد رأى الله . وفي الحديث القدسي : من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ، وهذا شأن التوسط العقلي بينه تعالى وبين خلقه في الوجود
و
هامش
( 1 ) . كذا في جميع النسخ والظاهر : سيره .
( 2 ) . الحجر / 29
( 3 ) . النساء / 80
( 4 ) . الفتح / 10