إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ
« 1 » - الا من سبقت لهم العناية في البداية كالعقول المفارقة في اوّل نشأتهم والكلمات التامات الإلهية -
ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى
« 2 » - بالتجلي الإلهي -
فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ
. « 3 » إلى ربهم ويغيبون عن ذواتهم فانين عنها وعن كل شيء راجعين صائرين إليه تعالى باقين ببقائه .
المطلب الثاني : ان الّذي عبر عنه بأنه وجه الله باق ابدا غير قابل للفناء : وذلك لان عالم الامر كله خير برئ من الشر والعدم والتغير والزوال ، لان شيئا من هذه الأمور لا يتحقق الا في ناحية عالم الخلق ، إذ وجود ذلك العالم لا يتعلق الا بذاته تعالى لا بشيء اخر من مادة أو حركة أو زمان أو استعداد أو زوال مانع أو حدوث شرط ، وكلما هو كذلك فليس بقابل للعدم والزوال ، إذ كل ما جاز عدمه بعد ان وجد فذلك بسبب عدم شيء من أسباب وجوده « 4 » واجزاء علته التّامة ، ضرورة ان العلة التامة للشئ ما دامت باقية يمتنع عدمه لاستحالة انفكاك المعلول عن علته التامة .
فاذن لو فرض عدم المفارق العقلي فذلك يستلزم عدم شيء من أسباب وجوده وهي الفاعل والغاية والمادة والصورة ، لكنه لا مادة له لتجرده عن المحل والموضوع ولا صورة له لبساطته وعدم تركبه الخارجي ، بل ذاته نفس الصورة المجردة عن المواد ، واما فاعله : فهو ذات واجب الوجود وكذا علته التمامية ذاته تعالى . فاذن لا سبب له الا فاعله وغايته وهما شيء واحد ممتنع العدم بالذات ، فهو واجب البقاء ببقائه تعالى - لا بابقائه - إذ ليس فيه امكان العدم .
فان قلت : أليس كل ما غير ذاته تعالى فهو ممكن وكل ممكن جائز العدم ؟
قلت : امكان المفارقات امكان فرضى غير ثابت لها في الواقع ، إذ ليست لها ماهية يعرضها الوجود أو يسبق امكانها في الخارج على وجودها كما في الطبائع المادية والأكوان الزمانية ، ثم إن نفس الامر كما علمت ثابت لا يتغير وليس ذلك الا عالم الامر وعالم القول الحق والكلمة الصدق لقوله تعالى :
ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ
« 5 » ، وقوله :
وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ
« 6 » ، وقوله :
لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ
« 7 » ، وقوله :
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ
هامش
( 1 ) . الزمر / 68
( 2 ) . الزمر / 68
( 3 ) . الزمر / 68
( 4 ) . أو - م - د
( 5 ) . ق / 29
( 6 ) . ق / 4
( 7 ) . يونس / 64