« 1 » .
وإذا علم من هذه المواضع الثلاثة مطابقة والتزاما ان المراد من البصر الادراك الباطني ، فكذا المراد في قوله :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
، إحاطة الوهم واكتناه العقل . واعلم أن جوهر الوهم بعينه جوهر العقل ومدركاته بعينها مدركات العقل والفرق بينهما بالقصور والكمال ، فما دامت القوة العقلية ناقصة كانت ذات علاقة بالمواد الحسية منتكسة النظر إليها لا تدرك المعاني الا متعلقة بالمواد مضافة إليها ، وربما يذعن احكام الحس لضعفها وغلبة الحواس والمحسوسات عليها فيحكم على غير المحسوس حكمها على المحسوس ، فما دامت في هذا المقام يطلق عليها اسم الوهم ، فإذا استقام وقوى صار الوهم عقلا وخلص عن الزيغ والضلال والآفة والوبال .
الحديث العاشر وهو الرابع والستون والمائتان
« محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن أبي هاشم الجعفري عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال : سألته عن اللّه هل يوصف ؟ فقال : أما تقرأ القرآن ؟ قلت : بلى ، قال : أما تقرأ قوله تعالى :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ
؟ قلت : بلى ، قال : فتعرفون الابصار ؟ قلت : بلى ، قال : ما هي ؟ قلت : ابصار العيون ، قال : ان أوهام القلوب أكبر من ابصار العيون ، فهو لا تدركه الأوهام وهو يدرك الأوهام »
الشرح
قول السائل : هل يوصف ؟ معناه : هل يوصف بالرؤية ، فأراد عليه السلام التنبيه والارشاد على نفي الرؤية مطلقا عنه تعالى باية من القرآن ، ولما ظهر من حال السائل انه قرأ القرآن وقرأ قوله تعالى
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ
استفسر عليه السلام منه هل تعرف معنى الابصار في هذه الآية ؟ ولما ظهر من حاله انه لم يعرف من الابصار الا ابصار العيون ، عرّفه بان أوهام القلوب أكبر وأقوى في باب الادراك من ابصار العيون ، لان الوهم رئيس الحواس الظاهرة والباطنة ومستخدمها ومستعملها ، كما أن القلب اعني العقل رئيس الوهم ومخدومه ، فالأولى ان يكون معنى الآية : لا تدركه الأوهام وهو يدرك الأوهام ليدل على
هامش
( 1 ) الحج 46 .