الحديث التاسع وهو الثالث والستون والمائتان
« محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى عن ابن أبي نجران عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السلام في قول اللّه تعالى :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
، قال إحاطة الوهم الا ترى إلى قوله :
قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ
« 1 » ليس يعني به بصر العيون .
فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ
« 1 » ، ليس يعني من ابصر بعينه .
وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها
« 1 » ، ليس يعني عمى العيون ، انما عنى إحاطة الوهم كما يقال : فلان بصير بالشعر وفلان بصير بالفقه وفلان بصير بالدراهم وفلان بصير بالثياب ، اللّه أعظم من أن يرى بالعين » .
الشرح
لما سئل عليه السلام ما في معنى قوله تعالى :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
، وما زعمته العامة من أن المراد نفي الرؤية المعتادة بهذا البصر الحسّي ، حاول ان ينبّه على أن المراد ليس ما زعموه ، لأنه امر مستغن عنه وذاته تعالى اجل وأعظم من أن يحتمل في حقه ذلك المعنى حتى تصير الآية محمولة على نفيه ، فأشار إلى أن المراد من الآية نفي إحاطة الوهم به عنه وان الابصار ليست هاهنا بمعنى العيون بل بمعنى العقول والأوهام .
ثم استدل على ذلك بما جاء في القرآن وفي عرف أهل اللسان « 2 » ، منه قوله تعالى :
قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ
، وهي جمع البصيرة أطلقت على ما يبصر به ويزيد في القوة ، والمراد بها آيات اللّه المنزلة التي يتجلى الحق فيها ويبصرها ، ومعلوم انه ليس يعني بها ابصار العيون ، إذ ليست الآيات مبصرة بالعين الحسي بل مدركة بالعقول ، وتذكير الضمير في قوله يعني باعتبار لفظ البصائر لأنه لفظ مفرد وجمعيته باعتبار المعني . ومنه قوله :
فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ
، وظاهر ان ليس المراد به من ابصر آيات اللّه بعينه ، لأنها ليست محسوسة بهذا الحسّ العيني .
ومنه قوله تعالى :
وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها
، على قياس ما ذكر في
فَمَنْ أَبْصَرَ
، ليس المراد عمى العيون ولكن عمى القلوب كما في قوله تعالى :
لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
هامش
( 1 ) - الانعام 105 .
( 2 ) - البصر من القلب نوره الذي به يدرك حقائق الأشياء وبواطنها وهو الذي يسمّيه الحكماء القوة القدسية والعاقلة النظرية كالبصيرة . الجمع : ابصار وبصائر « طراز اللغة » .