وجلاء صارت أعيانا حضورية ، كما أن الخيال إذا قوي صير حسا باطنيا والامر المتخيل إذا تأكد ظهوره ورسوخه يصير مثالا عينيا يترتب عليه الآثار الوجودية . فنقول من الرأس : ان المدركات تنقسم إلى ما يدخل تحت الخيال ، كالصور الجزئية من الأجسام المتشكلة وألوانها ومقاديرها واشكالها وطعومها وروائحها وأصواتها ، وإلى ما لا يدخل تحت الخيال ، كذات اللّه وصفاته وكل ما ليس بجسم ولا جسماني ، سواء كان من الصفات كالعلم والقدرة والإرادة وغيرها أو من الذوات كذات العقل والنفس وكطبائع الماهيات والكليات .
فالذي من القسم الأول إذا وقع في الخيال ، كمن رأى انسانا ثم غمض بصره ، وجد صورته حاضرة في خياله كأنه ينظر إليها ، ولكن إذا فتح العين وابصر وجد تفرقة بين الادراكين ، والمدرك امر واحد ولا ترجع التفرقة إلى اختلاف بين الامرين في الصورة ، إذ الصورة واحدة كما قلنا وانما الافتراق لزيادة الوضوح والكشف ، فان صورة المرئي صارت بالرؤية أتم انكشافا ، وهو كشخص يرى في وقت الاسفار قبل طلوع الشمس وانتشار ضوئها ثم يرى عند تمام الضوء ، فإنه لا يفارق الحالة الأخرى للأولى الا في مزيد الانكشاف .
فإذا الرؤية هي استكمال لادراك « 1 » الخيال وهو غاية الكشف ، وسمي ذلك رؤية لأنه غاية الكشف لا لأنه في العين ، بل لو خلق الادراك الكامل لقوة في غير هذا العضو كالجبهة أو كالصدر لكان رؤية أيضا .
بل يجب ان يعلم هاهنا ان القوة الخيالية للانسان هي في جوهرها أقوى ادراكا وأدوم مدركا من هذا البصر الذي في العين وغيره من الحواس الظاهرة ، لكن النفس مشغولة عنها بشواغل الطبيعة البدنية ما دامت هذه الحياة ، ولا جل ذلك يكون ادراكات هذه الحواس الظاهرة أقوى واجلى عند الانسان ، فإذا خلعت عن ذاتها هذا البدن الطبيعي وتلبّست بلباس الحشر وكسوة الآخرة كانت ، ترى « 2 » الصور الجزئية بعين الخيال ويكون رؤية الخيال عند ذلك أقوى وأوضح وأصدق وأصحّ من رؤية البصر .
وأيضا ينبغي ان يعلم أن الصورة الخيالية إذا اشتدت وقويت لا تصير حسية طبيعية ، إذا الصورة الغير المادية لا تصير بالاستكمال مادية ولا المادية بالاشتداد تصير مفارقة
هامش
( 1 ) - الادراك - ط .
( 2 ) - يرى - م - د .