قوله : ( يُحِبُّ في اللَّه بِفقْهٍ وعِلْمٍ ، ويَقْطَعُ من اللَّه « 1 » بحَزْمٍ وعَزْمٍ ) . [ ح 1 / 2280 ]
هاتان الفقرتان الشريفتان دستور عمل لمن يريد أن يحبّ أحداً في اللَّه ، ويبغض أحداً في اللَّه ويقطع عنه ، والمؤمن شديد الاحتياج إلى كلّ من جزءيه :
أمّا إلى الأوّل ، فلأنّ الجاهل ربّما يرى أنّ محبّة فلان في اللَّه إمّا لأنّه من أرحامه ، أو لأنّه قلّد من لا يصحّ تقليده أنّ محبّته واجبة من اللَّه فيغلط ، وإمّا في مقدار المحبّة ، مثل أن ينصر أخاه على من بينهما منازعة وكان الأخ على غير الحقّ ، أو يفضّل أقرباءه وذوي أرحامه في صدقات الناس التي اجتمعت عنده تفضيلًا يُوجب الإجحاف بالفقراء وشدّةَ العسر عليهم ، هذا أدنى مراتب الغلط في مقدار المحبّة ؛ محبّة الغلاة للأئمّة الهُداة سلام اللَّه عليهم أجمعين .
وأمّا في أصل المحبّة ، كمحبّة أصحاب الجهالات المرتطمين في وحل الشبهات لفلان وفلان وفلان بزعم أنّ لهم عند رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قدماً ، وكان بينهم وبين أمير المؤمنين مضافاة ؛ ولمّا لم ينشأ هذه المحبّة من فقه وعلم ، بل من تقليد الآباء والأسلاف ، ولم يقع الإصابة بحسب الاتّفاق أيضاً ، كانت
« كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً »
« 2 » فهل يدفع عطشه حسبان الماء ورجاء الارتواء ؛ على أنّ تلك المحبّة أفضت بهم إلى مهالكَ عظيمةٍ ، مثل العمل مدّة العمر في عبادة اللَّه تعالى ببدعهم ، ومعاداة من خالفهم بفقه وعلم وبصيرة ، وسيقولون إذا رأوا ما يوعدون :
« لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي »
« 3 » ولأجل هذا قال اللَّه تبارك وتعالى :
« وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى »
« 4 » .
فمن فوائد اقتران الفقه والعلم بالمحبّة أن يعرف المرء أنّ صاحب أيّ صفة يستحقّ أيَّ قسم من المحبّة ، وبأيّ شرط مثلًا يعرف أنّ صاحب قرابة الرحم وصاحب الجوار وصاحب الأخلاق الجميلة - مع المشاركة في الدِّين وصاحب التأديب والحضانة - إنّما
هامش
( 1 ) . في الكافي المطبوع : « في اللَّه » .
( 2 ) . النور ( 24 ) : 39 .
( 3 ) . الفرقان ( 25 ) : 28 - 29 .
( 4 ) . طه ( 20 ) : 82 .