الكنه كنايةٌ عن عدم إمكان البلوغ ؛ وذلك لأنّ الوهم أشدّ نفوذاً في الأشياء ، وأوسع مجالًا ، وأقوى تصرّفاً من جميع المدارك ، فهو بمنزلة فرس جموح ، غلب فارسَه ، وأخذ العنان من يده يعدو ما أطاق وما أمكنه ، ويقال له بالفارسيّة : « سرسخت » ، وفي التركية : « باشى بَرك » فإذا لم يبلغ الوهم الذي هذا شأنه ، فغيره من المدارك بطريقٍ أولى ، وما ذل إلّالعدم إمكان البلوغ .
وليعلم أنّ استعمال « ضلّ » مع « عن » لم ينقل في شيءٍ من كتب اللغة عندنا إلّافي الأساس .
قوله : « ذهلت العقول » إلى آخره ، يعني أنّه سبحانه في قدّوسيّته وارتفاع شأنه عن أن يُدرك ، بحيث لو حاولت العقول الصحيحة الكاملة إدراكَه ، حارت ودهشت ونسيت نفسها فضلًا عمّا عداها وشغلت عنها .
في القاموس : « ذهله ، وعنه - كمنع - ذهلًا وذهولًا : نسيه لشغل » « 1 » . وفي المجمل : « ذهلت عنه : إذا نسيته أو شُغلت عنه » . « 2 »
وفي سورة الحجّ :
« يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ »
« 3 » .
وفي الكشّاف : « الذهول : الذهاب عن الأمر مع دهشة » « 4 » . وهكذا في تفسير البيضاوي . « 5 »
قوله : ( لا يبلغه حَدُّ وَهْمٍ ) .
المعنى المناسب للمقام من معاني الحدّ : المنتهى ؛ تشبيهاً للوهم بشيءٍ طويل كالعصى والرمح يتوسّل به إلى مماسّة شيء .
في الصحاح : « حدّ الشيء : منتهاه » . « 6 »
قوله : ( وابتعَثَ الرُّسلَ ) إلى قوله : ( بعدما أضدّوه ) من كلام النبيّ صلى الله عليه وآله في خطبةٍ رواها
هامش
( 1 ) . القاموس المحيط ، ج 3 ، ص 379 ( ذهل ) .
( 2 ) . مجمل اللغة ، ج 2 ، ص 348 ( ذهل ) .
( 3 ) . الحجّ ( 22 ) : 2 .
( 4 ) . الكشّاف ، ج 3 ، ص 4 .
( 5 ) . أنوار التنزيل ، ج 4 ، ص 113 .
( 6 ) . الصحاح ، ج 2 ، ص 462 ( حدد ) .