يكون تقدير الكلام : فلمّا آتى اللَّه آدم وحوّا الولد الصالح الذي تمنّياه وطَلَباه ، جعل كفّارة أولادهما ذلك مضافاً إلى غير اللَّه ، ويقوّي هذا التأويل قوله :
« فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ »
وهذا ينبئ على أنّ المراد بالتثنية ما أردناه من الجنسين أو النوعين ، وليس يجب - من حيث كانت الكناية المتقدّمة راجعة إلى آدم وحوّا - أن يكون جميع ما في الكلام راجعاً إليهما ؛ لأنّ الفصيح قد ينتقل من خطاب مخاطب إلى غيره ، ومن كناية إلى خلافها ؛ قال اللَّه تعالى :
« إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ »
« 1 » فانصرف من مخاطبة الرسول إلى مخاطبة المرسل إليهم ، وقال :
« وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ »
يعني الرسول صلى الله عليه وآله ، ثمّ قال :
« وَتُسَبِّحُوهُ »
« 2 » يعني مُرسِل الرسول ، فالكلام واحد متّصل بعضُه ببعض ، والكناية مختلفة كما ترى « 3 » .
أقول : ثمّ استشهد لهذا الباب بعدّة أشعار للفصحاء القدماء .
قوله : (
« لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ »
« 4 » ، ممّا خُصَّ به علىٌّ عليه السلام ) . [ ح 1 / 645 ]
يعني أنّ قوله سبحانه : « لا تأسوا » خطابٌ لنا ، يقول : يا ذرّيّة محمّد ، لا تحزنوا على ما فاتكم وخرج من أيديكم في الظاهر ، وهو ما خصّ به أبوكم عليّ عليه السلام من ولاية الأمر .
وقوله : « ولا تفرحوا » خطاب لفلان وأصحابه : الثاني والثالث والمقتفين لأثرهما ، يقول : يا فراعنة آل محمّد ، لا تفرحوا بما آتيناكم من الملك الزائل في أيّامٍ قلائل . وإسناد الإيتاء إليه تعالى مصداق قوله تعالى :
« تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ »
« 5 » .
نزع وايتاءش بوفق حكمت است * هر يكى گاهى غضب گه رحمت است
وما يتراءى في ذلك من الإشكال ينحلّ بما سبق في أبواب كتاب التوحيد وتعليقاتنا عليه ، ثمّ إنّ في قوله سبحانه :
« لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ »
لتعزيةً وتسليةً للمخاطبين به ، ووعداً بإعطاء ما هو خير وأبقى ، كما أنّ في قوله تعالى :
« وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ »
تهديداً
هامش
( 1 ) . الفتح ( 48 ) : 8 - 9 .
( 2 ) . الفتح ( 48 ) : 9 .
( 3 ) . تنزيه الأنبياء ، ص 29 و 30 .
( 4 ) . الحديد ( 57 ) : 23 .
( 5 ) . آل عمران ( 3 ) : 26 .