وقوله عليه السلام : « الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره » ناظرٌ إلى قوله تعالى :
« يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا »
، فدلّ الحديث على أنّ الراسخين في العلم لا يقتحمون في المتشابهات ، بل يقتصرون على الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره ، وعلى قول : إنّا آمنّا به كلٌّ من عند ربّنا ، والاعتراف بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علماً ، ورسوخهم في العلم هو ترك التعمّق فيما لم يكلَّفوا البحث عن كنهه .
ومقتضى هذا أن يكون
« وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ »
مبتدأ و
« يَقُولُونَ »
خبره ، ويصحّ الوقف على اللَّه ، ويكون كلّ من يقرّ ويعترف الإقرارَ والاعترافَ المذكورين ويكفّ نفسه عن الاقتحام المذكور داخلًا في الراسخين المذكور في الآية .
وفي رواية هشام المذكورة في أوّل كتاب العقل : « يا هشام ، ثمّ ذكر اولي الألباب بأحسن الذِّكْر ، وحلّاهم بأحسن الحِلْية ، فقال :
« يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ »
« 1 » إلى قوله :
وقال :
« وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ »
. « 2 »
ومقتضى هذا أيضاً الوقف على اللَّه كما لا يخفى ، ومقتضى الأخبار التي جاءت عن الأئمّة الأطهار - سلام اللَّه عليهم - في أنّهم هم الراسخون في العلم الوقفُ على العلم ، وعدمُ حصول الرسوخ لآحاد الامّة .
والجمع بأن يحمل الرسوخ تارةً على الثبات والاستقرار في علم التأويل بأن لا يأوِّلوا المتشابهات بالظنّ والتخمين والرأي والاجتهاد التي يلزمها التزلزل والانتقال من قول إلى قول ، بل بتعليم وتوقيف من اللَّه تعالى .
وعلى هذا المعنى كان الوقف على العلم و
« يَقُولُونَ »
استئناف أو حال وضمير
« بِهِ »
للكتاب
« كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا »
أي محكمه ومتشابهه . والرسوخ بهذا المعنى مختصّ بالنبيّ وآله الأطهار ، سلام اللَّه عليهم .
وفي باب أنّ الراسخين هم الأئمّة عليهم السلام : « فرسول اللَّه صلى الله عليه وآله أفضلُ الراسخين في العلم ، قد عَلَّمَه اللَّهُ عزّوجلّ جميع ما أنزَلَ عليه من التنزيل والتأويل ، وما كان اللَّه لِيُنْزِلَ عليه شيئاً لم يُعَلِّمُهُ تأويلَه ، وأوصياؤُهُ من بعده يعلمونه كُلَّه ، والذين لا يعلمون تأويلَه إذا
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 269 .
( 2 ) . آل عمران ( 3 ) : 7 .