حمار » بعد قول العابد : « ليس لربّنا حمار » جملة استفهاميّة معطوفة على جملة مقدّرة من باب قوله تعالى :
« أَ وَكُلَّما عاهَدُوا »
« 1 » ؛
« أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ »
« 2 »
*
كأنّه يقول : قد توافرت في هذه الجزيرة مياه ظاهرة لطيفة ، وأعشاب خضرة بهيجة ، وألوانٌ من الأزهار والأنوار ، وأنواعٌ من الفواكه والثِّمار ؛ وهذه نعماء جليلة رزقك الذي رَبّاك ، وأحسن إليك بها بعد أن هداك ، أوليس لربّك في جملة ماله في هذه الجزيرة من دلائلَ عظيمِ القدرة ، وآثارٍ جليل النِّعمة حمار ، وهو في جنب تلك النعماء التي أنعمك بها أمرٌ سهلٌ هيّن ؟
وهذا الاستفهام ليس على حقيقته في الحقيقة ؛ لأنّ العابد أخبر الملك بأن ليس للربّ حمار في هذا المكان ، فكيف يستفهم على وجه الحقيقة ؟
والظاهر أنّ الملك أظهر به التعجّب من عدم خلق الحمار في ذلك المكان مع شدّة الاحتياج به إليه ، على أنّ الغرض من هذا الإظهار المماشاة مع العابد كي يتنبّه من وجه التعجّب ، بأنّ من كانت قدرته إلى حيث يصدر منها هذه الآثار العظيمة ، ورأفته ورحمته وبرّه وإحسانه إليه بهذه المثابة ، فعدم خلق الحمار في هذه الجزيرة ليس من جهة العجز ، أو البخل والضنّة ، أو السهو والغفلة ، بل لحكمة ومصلحة هو أعلم بها ، والعابد لضعف عقله لم يفطن بذلك ، بل زعم أنّ الملك موافق له في الرأي ، ولتصلّبه عليه تعجّب من الإخبار بعدم الحمار ، فأخذ يستدلّ عليه وقال : « لو كان له حمار ما كان يضيع هذا الحشيش » وهذا القول دليل بيّنٌ على أنّه حمل قول الملك : « وما لربّك حمار » على الاستفهام التعجّبي . والمستند في استعمال الاستفهام في التعجّب قول المحقّقين من النحاة .
قال ابن هشام في المغني :
قد تخرج الهمزة عن الاستفهام الحقيقي ، فترد لثمان معانٍ : التسوية ، والإنكار الإبطالي ، والإنكار التوبيخي ، والتقرير ، والتهكّم ، والأمر ، والتعجّب ، والاستبطاء . « 3 »
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 100 .
( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 170 ؛ المائدة ( 5 ) : 104 .
( 3 ) . مغني اللبيب ، ج 1 ، ص 17 - 19 .