Skip to main content

كنز الفوائد — Page 326

Contributors:

P.326
والنسيان عنها وإحالة الجحد والكتمان منها لم يغن ذلك عن إمام في كل زمان حسبما يشهد به الدليل العقلي والبرهان وذلك أنا وجدنا اختلاف طبائع الناس وشهواتهم وتباين هممهم وإرادتهم وميل جميعهم في الجملة إلى الرئاسة ومحبتهم لنفوذ الأمر ووجوب الطاعة ورغبتهم في حرز الأموال وتطلعهم إلى نيل الآمال وارتكاب أكثرهم للمقبحات وتسرعهم إلى ما يقدرون عليه من الشهوات مع وكيد تحاسدهم وشديد تظالمهم الذي لا ينكره إلا من دفع الضرورات وأنكر المشاهدات يقضي ذلك في العقول عند ذوي التحصيل بأن صلاح أحوالهم وانتظام أمورهم وحراسة أنفسهم وأموالهم لا يتم إلا بوجود رئيس لهم ومتقدم عليهم يكون مسددا فيما يمضيه من تدبيرهم موفقا للصواب فيما يراه لهم وعليهم يقيم بهيبته عوجهم ويرد بيده أودهم ويجمع برأيه متشتتهم ويقهر بتمكنه معاندهم ويمنع القوي من الضعيف ويسوسهم بالسوط والسيف . وفي عدم الرئيس وهم على ما ذكرناه فساد أحوالهم وانقطاع نظامهم وحصول الهرج منهم ووجود الحيرة والفتنة بينهم التي هي سبب تلافهم وهلاك أنفسهم وهذا أمر يعلم العقلاء صحته ممن أقر بالشرع وجحده قال الأفوه الأودي وكان جاهليا « 1 »
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم * ولا سراة إذا جهالهم سادوا
وإذا كان الله تعالى إنما خلق خلقه لنفعهم وأحياهم لصلاحهم ومراشدهم فإنه في عدله وحكمته ورأفته ورحمته لم يخلهم في كل زمان من رئيس يكون لهم وإمام في الدين والدنيا عليهم .
Footnote
( 1 ) هو صلاءة بن عمرو بن مالك الأودي من بني أود ، والأفوه لقب كان له ، وهو من سادات العرب في الجاهلية المعروفين بالرأي والحزم ، ومن الشعراء المشاهير ، وكان فارسا مغوارا توفي سنة ( 570 م ) وفي شعره فكر وحياة .