تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة مقدمة 58

مساهمون:

صمقدمة ٥٨
ويتصل أوّل هذه الدوال بما تكشف عنه قراءة " مناهج الألباب " ( 1869 ) مقارنة بتخليص الإبريز ( 1834 ) من بروز قيمة العدالة في الأوّل ، بينما كانت قيمة الحرية هي السائدة والمسيطرة على خطاب الطهطاوي في الكتاب الثاني ( 121 ) . ويبدو حرص الطهطاوي على تقديم قيمة العدالة في " مناهج الألباب " قرين الكشف عن تعدد جوانبها ؛ فهي - من ناحية - أسّ قيام المجتمع وبقائه واستمراره ، أو هي - حسب وصف الطهطاوي - أساس التمدن ، فالعدل هو ( الأصل في سعادة الممالك ) ( 122 ) ، وهي - من ناحية ثانية - الأساس الّذي في ضوئه تقام قوانين توزيع السلطة داخل مؤسسة الحكم ؛ إذ ( لما كانت السياسة جسيمة لا يقوم بها واحد اختص الملك بمعالى الأحكام وكلياتها وخلع بعض نفوذه في جزئيات الأحكام على المحاكم والمجالس وجعل لهم لوائح وقوانين خصوصية ترشد أفعالهم ولا يتعدونها . قال بعضهم ليست في الدنيا جمعية منتظمة ولا مملكة معتدلة الأحكام إلا وتكون القوة فيها بالأصول العدلية ، فالأصول العادلة تصون ناموس الدولة عن الملامة ) ( 123 ) . بينما يجعل الطهطاوي العدالة - من ناحية ثالثة - حقا تاما من حقوق الرعية إذ إن ( مأمورية العدل أوّل واجبات ولاة الأمور وهو وضع الأشياء في مواضعها ، وإعطاء كل ذي حق حقه والإنصاف بميزان القوانين ) ( 124 ) . وبقدر ما كان ذلك الدال الأوّل يقترن بسعى الطهطاوي إلى التأكيد على ترسيخ العدالة قيمة شاملة في تنظيمها المجتمع وتحديدها توزيع السلطة وكونها السمة التي ينبغي أن تحكم علاقة الحاكم برعيته - فإن الدال الثاني يتصل بالتصور الّذي يطرحه الطهطاوي للعلاقة بين الكاتب أو المفكر والحاكم ، ويكشف هذا الدال - عبر مجموعة من النصوص المنقولة التي " يجيد " الطهطاوي انتقاءها وتقديمها - عن إعلاء الطهطاوي لشأن الكاتب والمفكر على الحاكم ، وهذا ما يتجلى في تكرار نقوله على شدة احتياج الحاكم إلى الكاتب والمفكر ؛ فإذا كان ( الكاتب مالك الملك يصرفه بقلم الإنشاء كيف يشاء ) ( 125 ) فإن الكتاب هم ( سياسة الملك وعماده وأركان السلطان وأطواده ، بأقلامهم تبسط الأرزاق وتبيض الآمال ، وبها تصان المعاقل إذا عجزت عن