الفصل الرابع في ظواهر السنة الرابعة من الهجرة وما فيها من الغزوات
* وفي هذه السنة كانت غزوة بنى النضير : ونقل عن النووي في « الروضة » أن غزوة بنى النضير كانت سنة ثلاث ، وأن تحريم الخمر كان بعد غزوة أحد « 1 » ، وكلامه يميل إلى أن تحريم الخمر كان سنة ثلاث ، ورجّح الدمياطي أيضا في سيرته أن التحريم كان في السنة الثالثة .
والقول بأن التحريم كان في السنة الرابعة مشهور ، وهناك قول اخر راجح ، وهو : أنها كانت في غزوة الحديبية سنة ست من الهجرة ، بدليل أنّ أنسا كان ساقيا لها ، ولما ورد النهي عن ذلك أراقها ، ولو كان ذلك سنة أربع لكان أنس يصغر عن ذلك ، ويرجحه قولهم : إن تحريم الخمر كان قبل الفتح ، وربما يجمع بين الأقوال بما رواه أحمد عن أبي هريرة أنها حرّمت ثلاث مرات ، قال : « قدم المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة وهم يشربونها ، ويأكلون « 2 » الميسر ، فسألوه عنهما ، فأنزل الله تعالى :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ . . .
[ البقرة : 219 ] ، قال الناس : ما حرّم علينا إنما قال « فيهما إثم كبير ومنافع للناس » . وكانوا يشربون الخمر حتّى صلّى يوما رجل من المهاجرين ، وأمّ أصحابه في المغرب ، فخلط في قراءته ، فأنزل الله تعالى الآية التي في النساء :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ
[ النساء : 43 ] ، فكان الناس يشربونها في وقت دون وقت ، ثم نزلت الآية التي في المائدة ، بالتأكيد ، وهي قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ
[ المائدة : 90 ، 91 ] ، إلى قوله تعالى :
فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ
قالوا : انتهينا ربّنا .
قال المفسرون : لما أنزل الله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ
[ المائدة : 87 ] ، وقوله :
وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً
[ المائدة :
88 ] ، وقوله تعالى :
وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً
هامش
( 1 ) وذكر ابن هشام أنها كانت في ربيع الأوّل من السنة الرابعة .
( 2 ) انظر ابن كثير ص 92 ج 2 .