تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
أشيروا عليّ ، فقال عمر : يا رسول الله إنها قريش ، والله ما ذلّت منذ عزّت ، ولا آمنت منذ كفرت ، والله لتقاتلنّك ، فتأهّب لذلك أهبته ، وأعدّ لذلك عدّته . ثم استشارهم ثالثا ، فقال : أشيروا عليّ أيها الناس ، ففهمت الأنصار أنه يعنيهم ؛ لأنهم أكثر الناس عددا ، فقال له سعد بن معاذ « سيد الأوس » : لعلك تريدنا معاشر الأنصار يا رسول الله ؟ فقال : أجل ، قال : فقد آمنّا بك وصدّقناك ، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة ، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم ، فاظعن حيث شئت ، وصل حبل من شئت ، واقطع حبل من شئت ، وسالم من شئت ، وعاد من شئت ، وخذ من أموالنا ما شئت ، وما أخذت منّا كان أحبّ إلينا مما تركت ، وما أمرت فيه من أمرنا فأمرنا تبع لأمرك ، فامض يا رسول الله لما أردت ، فنحن معك ؛ والّذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ، ما تخلّف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدونا ، وإنّا لصبر في الحرب صدق في اللقاء لعل الله أن يريك منا ما تقرّ به عينك ، فسر بنا على بركة الله ، فنحن عن يمينك وعن شمالك وبين يديك ومن خلفك » فسر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأشرق وجهه بقول سعد ، ونشّطه ذلك ، وقال : « أبشروا فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين أنها لكم ، وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ( والطائفتان : العير ، ونفير قريش ، والعير : هو المعبر عنه في الآية بغير ذات الشوكة ، لأنه لم يكن فيها إلا أربعون فارسا ، وأما الشوكة فهي في النفير لعددهم وعدتهم ، فقوله تعالى
وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ
[ الأنفال : 7 ] يعنى تتمنون أن يكون لكم العير ؛ لأنها الطائفة التي لا شوكة لها ، أي لا حدّة لها ولا شدة ، ولا تريدون الطائفة الأخرى ، ولكن الله يريد الطائفة الأخرى وهي نفير قريش الّذي يريد حماية تلك العير ، وهي المرادة من قوله تعالى
يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ
[ الأنفال : 7 ] الآية ، ومعنى إحقاق الحق : تنجيز الوعد من النصر والظفر بالأعداء ، ومعنى إحقاق الحق الثاني : تقوية القرآن والدين ، ونصرة هذه الشريعة ؛ لأن الّذي وقع من المؤمنين يوم بدر بالكافرين كان سببا لعزة الدين وقوته ، ولهذا السبب قرنه بقوله
وَيُبْطِلَ الْباطِلَ
[ الأنفال : 8 ] الّذي هو الشرك ، وذلك في مقابلة الحق الّذي هو الدّين والإيمان ، فقد أعلمه الله تعالى بعد وعده بالظفر بالطائفة الثانية ، وأراه مصارعهم ، فعلم القوم أنهم ملاقو القتال ، وأنّ العير لا تحصل لهم .