تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
عليه صلّى اللّه عليه وسلّم فذهب ما يجده . وباتا في الغار ، وأمر الله العنكبوت فنسجت على فم الغار ، وأمر حمامتين فعشّشتا وباضتا . وما أحسن ما قيل :
وخافت عليك العنكبوت من العدا * فأرخت بباب الغار مكرا بها سترا
ووافقها في الذّبّ عنك حمائم * أتين سراعا فابتنين به وكرا
فلمّا أتي الكفّار طرن خديعة * فحيّا الحيا « 1 » تلك الخديعة والمكرا
وأقبل فتيان قريش بسهامهم وسيوفهم ، ومعهم من يقصّ الأثر ، حتّى انتهى إلى الغار فقال لهم : إلي هنا انتهى أثره ، فما أدرى بعد ذلك أصعد إلى السماء أم غاص في الأرض ! فقال لهم قائل : ادخلوا الغار ، فقال أميّة بن خلف : ما تنظرون إلى الغار ، وإن عليه لعنكبوتا قبل ميلاد محمد ؟ فسمع رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم حديثهم ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « اللهمّ أعم بصرهم » فجعلوا يترددون حول الغار ، لا يرون أحدا ، ويقولون : لو دخلا هذا الغار تكسّر بيض الحمام وتفسّخ بيت العنكبوت . فعلما أن الله تعالى حمي حماها بالحمام ، وصرف عنهما كيد الأعداء بالعنكبوت ، ولقد حصل للعنكبوت الشرف بذلك . روى ابن وهب أنّ حمام مكة أظلت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يوم فتحها ، فدعا لها بالبركة . ونهى عن قتل العنكبوت . وقال : « هي جند من جنود الله » . إلّا أن البيوت تطهّر من نسجها لأنه يورث الفقر « 2 » .
هامش
( 1 ) حيّا من التحيّة ، والحيا : المطر والخصب ، وهو دعاء للعنكبوت والحمامتين ؛ لأنهما فعلا شيئا لم يفعله بنو آدم . ( 2 ) في الأسلوب ركاكة ، ولعل سقطا حدث في الكلام أوجب هذه الركاكة . وأسند الثعلبي وابن عطية عن الإمام علي رضي الله عنه وكرّم الله وجهه أنه قال : « طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت ؛ فإن تركه في البيت يورث الفقر » . وقد نسجت العنكبوت على الغار الّذي دخله « عبد الله بن أنيس » لما بعثه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى قتل خالد بن نبيح بالعرنة ، فقتله واحتمل رأسه ، وطارده الكفار ، فدخل غارا ، فنسجت عليه العنكبوت ، وجاء الطلب فلم يجدوا شيئا ، فرجعوا . ونسجت على سيدنا داود عليه الصلاة والسلام حين طلبه عدوّ الله جالوت ، ونسجت على عورة الإمام زيد بن علي بن الحسين ، لما قتل ، وصلبوه عريانا رضي الله عنه عام 121 هجرية ، لعن الله كل من اشترك في قتله ولو بحرف من كلمة .