تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
ولم يستدل القوم بآيتي النجم لاحتمالهما رؤية وجبريل ، وقد وردت الآثار بمستند كلّ من الاحتمالين في الآيتين ، وإنما الراجح كما قاله بعض المتأخرين : أن الرؤية بالبصر وأن المرثى هو الله تعالى لا جبريل « 1 » ، وقد ذهب جماعة إلى الوقف في هذه المسألة ولم يجزموا بنفي ولا إثبات لتعارض الأدلة ، ورجّحه أبو العباس القرطبي في « المفهم » « 2 » وعزاه لجماعة من المحققين ، وقوّاه بأنه ليس في الباب دليل قاطع ، وغالب ما استدلّ به الطائفتان ظواهر متعارضة قابلة للتأويل . قال القرطبي : وليست المسألة من العلميات « 3 » حتى يكتفى فيها بالأدلّة الظنية ، وإنما هي من المعتقدات التي يطلب فيها الدليل القطعي . وردّه السبكي في « السيف المسلول » بأنه ليس من شرط جميع مسائل الاعتقاد الثبوت بالدليل القطعي ، بل متى كان حديثا صحيحا ، ولو ظاهرا ، وهو من رواية الآحاد جاز أن يعتمد عليه في بعض تلك المسائل ، حيث لم يكن من مسائل الاعتقاد التي يشترط فيها القطع ، على أنّا لسنا مكلفين بذلك « 4 » . وقد اختلف في رؤيته في المنام ، ومعظم المثبتين للرؤية في الدنيا على جوازها من غير كيفية وجهة ، ونقل عن القاضي عباس اتفاق العلماء على جواز رؤية الله تعالى في المنام ، وصحتها إن ادّعاه من هو أهله ، كولىّ يوثق به ، ويكون ذلك تخصيصا للعموميات ، كقوله تعالى :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
، وأما إن ادعاه من ليس من أهله كالعاصى والمقصّر ، فإنا نكذبه ، ومع ذلك فالرؤية المنامية ليست من قبيل المشاهدة البصرية الحقيقة ، وإنما هي من قبيل نوع مشاهدة بالقلب دون العين ، وهي أيضا غير الرؤية القلبية التي في اليقظة ؛ فرؤيته صلّى اللّه عليه وسلّم لربه ليلة الإسراء كانت يقظة بصرية أو قلبية ، يعنى رؤية صحيحة ،
هامش
( 1 ) لا نوافق على هذا أبدا ، لأن قوله تعالى :وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى . عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى[ تحديد مكان ، والله تعالى لا يحل في مكان ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ؛ إذ المكانية صفة للمخلوق . ( 2 ) كتاب المفهم لشرح صحيح مسلم للإمام القرطبي . ( 3 ) في الأصل « العمليات » . ( 4 ) نعم لسنا مكلفين بالبحث في الأمور التي لا تحيط بها العقول « لا يكلف الله نفسا إلا وسعها » .