تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
أحب إليك أم مائة من تلاد إبلي ؟ ( وتليد المال وتلاده : قديمه ونفيسه ) فخرجت القداح على عبد الله ، ولم يزل يزيد عشرا عشرا حتّى بلغت الإبل مائة ، فخرجت القداح على الإبل ، ففداه بمائة من الإبل ، ولذلك صارت الدية مائة من الإبل ، فنحرت المائة كلها ، وتركت لا يصدّ عنها إنسان ولا طائر ولا سبع ، وأوّل من سنّ الدية مائة من الإبل عبد المطلب ، ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أنا ابن الذبيحين » « 1 » ويعني بهما والده عبد الله وجدّه إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام ، وروى الحاكم أنّ أعرابيا قال للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا ابن الذبيحين » فتبسم ولم ينكر عليه « 2 » . فدخول عبد المطلب بالقداح على هبل ودفعها إلى القيّم ، وإقباله على إساف ونائلة قصدا للتذكية والذبح ، كل هذا لا يقدح في تبرئته من عبادة الأصنام ، فهذه الحركات الصادرة من قبيل العوائد لا العقائد ، بدليل قوله : « اللهم إني نذرت لك نحر أحدهم ، وإني أقرع بينهم فأصب بذلك من شئت » فإن هذا أدلّ دليل على اعترافه بالألوهية مع ما ينقل عنه أنه كان مجاب الدعوة ، محرّم الخمر على نفسه ، وأنه أوّل من تحنّث بحراء ، وكان إذا استهل رمضان صعده وأطعم المساكين ، وكان يرفع من مائدته للطير والوحوش في رؤوس الجبال . وذكر ابن إسحاق أن عبد المطلب وجد في زمزم غزالين من ذهب ، وهما الغزالان اللذان دفنتهما جرهم حين خرجت ، ووجد فيها أسيافا قلعية « 3 » وأدراعا ، فقالت له قريش : يا عبد المطلب لنا معك في هذا شرك وحق ، قال : لا ، ولكن هلموا إلى أمر نصف بيني وبينكم ، يضرب عليها القداح ، قالوا : وكيف تصنع ؟ قال : أجعل للكعبة قدحين ، ولي قدحين ، ولكم قدحين ، فمن خرج قدحاه على شيء كان له ،
هامش
( 1 ) أورده الزمخشري في الكشاف في تفسير قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام :إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ. ( 2 ) انظر المقاصد الحسنة للسخاوي ص 14 حديث رقم 13 ، والسيرة الحلبية . ومما يؤيد أن الذبيح إسماعيل قوله تعالى في سورة الصافات بعد سرد قصة الذبحوَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَفالواو تفيد المغايرة ، أي تفيد أن الّذي حدثت له قصة الذبح أحد اثنين ، والمبشر بنبوته وصلاحه هو الآخر . وكلام بعض المفسرين الذين ذهبوا إلى أن الذبيح إسحاق يخالف اللغة التي هي أصل من أصول التفسير ، والله تعالى أعلم . ( 3 ) القلعية نسبة للقلعة ، وهي بلد بالهند ينسب إليها الرصاص والسيوف ( هامش الأصل ) .