الحمام في بدء علته التي كانت وفاته فيها ، فرأى نحول جسمه فبكى لفنائه وما قد أشرف عليه من الدثور الواقع بالخليفة وقال متمثلا :
أرى الليالي أسرعت في نقضي * أخذن بعضي وتركن بعضي
حنين طولي وحنين عرضي * أقعدنني من بعد طول نهضي
ولما أزف أمره وحان فراقه واشتدت علته وآيس من برئه أنشأ يقول :
فيا ليتني لم أعن في الملك ساعة * ولم أك في اللذات أعشى النواظر
وكنت كذي طمرين عاش ببلغة * من الدهر حتى زار أهل المقابر « 1 »
وقال الجزري : خطب معاوية قبل مرضه وقال : إني كزرع مستحصد وقد طالت إمرتي عليكم حتى مللتكم ومللتموني وتمنيت فراقكم وتمنيتم فراقي ، ولن يأتيكم بعدي إلا من أنا خير منه كما أن من قبلي كان خيرا مني ، وقد قيل : من أحب لقاء اللّه أحب اللّه لقاءه ، اللهم إني قد أحببت لقاءك فأحبب لقائي وبارك لي فيه .
فلم يمض قليل حتى ابتدأ به مرضه ، فلما مرض المرض الذي مات فيه دعا ابنه يزيد فقال : يا بني إني قد كفيتك الشد والترحال ووطأت لك الأمور وذللت لك الأعداء وأخضعت لك رقاب العرب وجمعت لك ما لم يجمعه أحد ، فانظر أهل الحجاز فإنهم أصلك وأكرم من قدم عليك منهم وتعاهد من غاب ، وانظر أهل العراق فإن سألوك أن تعزل عنهم كل يوم عاملا فافعل فإن عزل عامل أيسر من أن يشهر عليك مائة ألف سيف ، وانظر أهل الشام فليكونوا بطانتك وعيبتك فإن رابك من عدوك شيء فانتصر بهم فإذا أصبتهم فاردد أهل الشام إلى بلادهم فإنهم إن أقاموا بغير بلادهم تغيرت أخلاقهم ، وإني لست أخاف عليك أن ينازعك في هذا الأمر إلا أربعة نفر من قريش : الحسين بن علي وعبد اللّه بن عمر وعبد اللّه بن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر ، فأما ابن عمر فإنه رجل قد وقذته العبادة فإذا لم يبق أحد غيره بايعك ، وأما الحسين بن علي فهو رجل خفيف ولن يتركه أهل العراق
هامش
( 1 ) مروج الذهب 3 / 49 .