الوريد ويصعد الأرواح إلى المحل الأعلى ويصرع الأشباح على الصعيد فتبعت نفسه الأبية جدها وأباها وعزفت عن التزام الدنية فأباها ، فعلم الناس الإباء والحمية والموت تحت ظلال السيوف اختيارا له على الدنية ، فنصب نفسه وإخوته وأهله لمحاربتهم واختاروا بأجمعهم القتل على مبايعتهم ليزيد ومتابعتهم ، فأحاطت بهم الفجرة اللئام ورهقتهم الكفرة اللهام « 1 » ورشقتهم بالنبال والسهام .
هذا والحسين عليه السلام ثابت كالجبل الراسخ ، لا يوهن عزيمته المنيعة فاسخ ، وقدمه في المعترك أرسى من الجبال ، وقلبه لا يضطرب لهول القتال وقد قتل قومه من جموع ابن زياد جمعا جما ، وأذاقوهم من الحمية الهاشمية زهقا وكلما ، ولم يقتل من العصابة الهاشمية قتيل حتى أثخن قاصديه وقتل وأغمد ظبته في أبشارهم وجدل ، وهو صلوات اللّه عليه كالليث المغضب البغيض لا يحمل على أحد إلا نفحه بسيفه « 2 » فألحقه بالحضيض .
وقد ثبت ما نقلته الثقات عن بعض الرواة قال : فو اللّه ما رأيت مكثورا قط قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشا ولا أمضى جنانا منه ولا أجرأ مقدما واللّه ما رأيت قبله ولا بعده مثله « 3 » وروي أنه كان بينه عليه السلام وبين الوليد بن عقبة منازعة في ضيعة ، فناول الحسين عليه السلام عمامة الوليد عن رأسه وشدها في عنقه وهو يومئذ وال على المدينة « 4 » .
وفي الاحتجاج عن محمد بن السائب أنه قال : قال مروان بن الحكم يوما للحسين بن علي عليهما السلام : لولا فخركم بفاطمة بما كنتم تفخرون علينا ؟
فوثب الحسين وكان شديد القبضة ، فقبض على حلقه فعصره ولوى عمامته على عنقه حتى غشي عليه ثم تركه - الخ « 5 » .
هامش
( 1 ) اللهام : بضم اللام الجيش العظيم « منه » .
( 2 ) نفحه بسيفه : تناوله « منه » .
( 3 ) تاريخ الطبري 7 / 364 .
( 4 ) البحار 44 / 191 نقلا عن المناقب 3 / 224 .
( 5 ) الاحتجاج 2 / 23 طبع سنة 1386 .