ثم أراد عليه السّلام أن يودّع عياله الوداع الأخير ، فقال لأخته العقيلة زينب عليه السّلام :
ناوليني ولدي الرضيع - وهو عبد اللّه - لأودّعه ، فبينما هو يقبّله ويضمه إلى صدره ، والطفل يتلوى جوعا وعطشا ، ضربه حرملة بسهم ذي شعبتين ، فرى أوداجه الأربعة وذبحه وهو في حجر أبيه .
وظل الحسين عليه السّلام يقاتل القوم حتى أثخن بالجراح ، وقد أصابته 72 ضربة في جسمه الشريف . عند ذلك خرّ إلى الأرض ، وكان على عمر بن سعد أن يقترب ليذبحه ، ولكنه كره ذلك . وتقدم خولي وسنان وغيرهما لذبحه ، فضعفوا وأرعدوا من رؤية وجه الحسين عليه السّلام وإشراقته ، وهو يبتسم للقاء الجنة . عند ذلك زجرهم أشقى الأشقياء شمر بن ذي الجوشن ، وعزم على ذبحه . وكيلا ينظر إلى وجهه ، قلبه واحتزّ رأسه من الخلف ، والحسين عليه السّلام يكبّر ويحمد اللّه ، حتى فاضت روحه الزكية .
لقد زخرت كربلاء بألوان الكرب والبلاء ، وأصناف الجرائم الوحشية التي تحمّلها أهل الحق ، لإحياء دينهم وعقيدتهم في نفوس الغافلين والمضلّلين ، وليسطّروا لمن يأتي بعدهم من المسلمين ، قصة الجهاد والكفاح ، والتضحية والفداء ، في سبيل الحق والمبدأ ، ولتطهير الأرض من براثن الظلم والباطل .
ولهذه المعاني السامية ، فإننا كلما تذكرنا كربلاء وما حصل في كربلاء ، يضطرم فؤادنا بالحزن والألم ، وتتوق قلوبنا إلى نصرة الحق ، حتى كأن كل أرض نمشي عليها أرض كربلاء ، وكل يوم نعيشه في حياتنا يوم عاشوراء .
ولله درّ من قال :
يا وقعة الطفّ كم أضرمت في كبدي * وطيس حزن ليوم الحشر مسجورا
كأن كلّ مكان كربلاء لدى * عيني ، وكلّ زمان يوم عاشورا
1 - منزلة شهداء كربلاء ( رض )
19 - صفة شهداء كربلاء ومنزلتهم بين الشهداء :
( أسرار الشهادة للفاضل الدربندي ، ص 274 )
روى الصدوق مرفوعا إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : أتدرون ما غمّي ، وفي أي شيء تفكيري ، وإلى أي شيء أشتاق ؟ . قال أصحابه : لا يا رسول اللّه ، ما علمنا بهذه من