وتقلعي أطناب خيمة بدنك من المضايق السفلية وتنصبينها في العوالم العلوية ، وتفرّى من مطمورة الدنيا وتسكني معمورة العقبى . يا فاطمة ، عجّلي أنا في انتظارك ولا أبرح من مكاني حتى أنت تأتي . فأسرعي يا فاطمة ، وسأخبرك بأن وقت وصولك إليّ عندي في الليلة القابلة .
وهذا العجين أخبزه في هذا اليوم وهذا الطين أغسل به رؤوس أولادي وثيابهم ، لأنك في غداة مشتغل في تجهيزي وغسلي ودفني وأخاف أن تجوع أولادي وتبقي رؤوسهم مغبرة وثيابهم دكنة . فعملت هذين العملين في هذا اليوم لأجل ذلك .
قال المؤلف :
يا نفس إن تتلقى صبرا فقد ظلمت * بنت النبي رسول اللّه وابناها
تلك التي أحمد المختار والدها * وجبريل أمين اللّه ربّاها
لهفي لها إذ غدت بالطيف شاكية * ما نالها لأبيها حين ناجاها
فقال : يا بنت قرّي وأبشري * إن الملاقاة قد هبت نعاماها
فأصبحت وهي ذاك اليوم مصلحة * ما إن به بغد يقتات سبطاها
طينا وخبزا لانقاء الثياب وذا * للأكل فأعجب لمن طابت مزاياها
قال الراوي :
فلما سمع أمير المؤمنين عليه السّلام من فاطمة الزهراء عليها السّلام كلمة الفراق ، جعل يبكي بأسف واحتراق وقال : يا فاطمة ، حزن أبيك حينئذ باق في صميم قلبي ، فكيف لي أن أزيده بفراقك ؟ فقالت له : يا ابن العم ، اصبر على فراقي كما صبرت على فراق أبي ، فإن اللّه مع الصابرين .
وهي مع ذلك تبكي وتغسّل قميص ولديها وتمشط رأسيهما ، وهي تقول : يا ليتني كنت أعلم بالذي يصدر عليكما من السمّ والقتل وإلى أيّ شيء يؤول أمركما . فبكيا بين يديها لما سمعا منها ذلك الكلام ، فقالت لهما : يا قرة عيني ، امضيا إلى قبر جدكما واسألاه أن يمنّ علي بالشفاء ؛ مرادها عدم حضورهما وقت موتها لئلا يصيبهما جزع وينالهما