كلامها عليها السّلام : إما من الكفران وترك الشكر ، كما هو الظاهر من سياق الكلام المجيد ، حيث قال تعالى :
« إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ . وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ »
« 1 » ، أو من الكفر بالمعنى الأخص ، والتغيير في المعنى لا ينافي الاقتباس ، مع أن في الآية أيضا يحتمل هذا المعنى ، والمراد إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا من الثقلين فلا يضرّ ذلك إلا أنفسكم ، فإنه سبحانه غنيّ عن شكركم وطاعتكم ، مستحقّ للحمد في ذاته ، أو محمود تحمده الملائكة بل جميع الموجودات بلسان الحال ، وضرر الكفران عائد إليكم حيث حرّمتم من فضله تعالى ومزيد إنعامه وإكرامه .
والحاصل : إنكم إنما تركتم الإمام بالحق وخلعتم بيعته من رقابكم ورضيتم ببيعة أبي بكر ، لعلمكم بأن أمير المؤمنين عليه السّلام لا يتهاون ولا يداهن في دين اللّه ولا تأخذه في اللّه لومة لائم ، ويأمركم بارتكاب الشدائد في الجهاد وغيره وترك ما تشتهون من زخارف الدنيا ، ويقسّم الفيء بينكم بالسوية ولا يفضل الرؤساء والأمراء ، وإن أبا بكر سلس القياد ، مداهن في الدين لإرضاء العباد . فلذا رفضتم الإيمان وخرجتم عن طاعته سبحانه إلى طاعة الشيطان ، ولا يعود وباله إلا إليكم .
وفي الكشف : ألا وقد أرى واللّه أن قد أخلدتم إلى الخفض ، وركنتم إلى الدعة .
فمججتم الذي أوعيتم ، ولفظتم الذي سوّغتم . وفي رواية ابن أبي طاهر : فعجتم عن الدين ؛ يقال : ركن إليه بفتح الكاف وقد يكسر : أي مال إليه وسكن . وقال الجوهري :
عجت بالمكان أعوج : أي أقمت به وعجت غيري ؛ يتعدّى ولا يتعدّى .
وعجب البعير : عطفت رأسه بالزمام ، والعائج : الواقف . وذكر ابن الأعرابي : فلان ما يعوج من شيء : أي ما يرجع عنه .
« ألا وقد قلت ما قلت على معرفة منّي بالخذلة التي خامرتكم ، والغدرة التي استشعرتها قلوبكم ، ولكنها فيضة النفس ، ونفثة الغيظ ، وخور القنا ، وبثّة الصدر ، وتقدمة الحجة » ؛
هامش
( 1 ) . سورة إبراهيم : الآيتان 7 ، 8 .