إن النبي صلّى اللّه عليه وآله قد ملّكني فدك في حياته تمليكا صحيحا شرعيا لا شرط فيه ولا رجعة ولا مثنوية ، ولم تزل في يدي ، أحكم فيها برأيي وعلي عليه السّلام وكيلي فيها واللّه شاهد بذلك عليّ .
فإن كنت لا تسمع قولي ولا تحفل بمقامي فاللّه حسبي وكهفي ورجاي ، وأقول كما قال نبي اللّه يعقوب :
« بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ »
« 1 » ،
« أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ »
. « 2 »
إيه يا معاشر المسلمين ! أأبتزّ إرثيه من أبيه ؟ أفي كتاب اللّه يا ابن أبي قحافة أن ترث أباك ولا أرث أبي ؟ لقد جئت شيئا فريا ! فدونكها مخطومة مزمومة ، تلقاك يوم حشرك ونشرك ، ونعم الحكم اللّه ، ونعم الزعيم محمد صلّى اللّه عليه وآله ، والموعد القيامة ، « وعند
السَّاعَةُ
يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ
و
لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ »
. « 3 »
ثم صمتت عليها السّلام لاستماع الجواب ، فقال أبو بكر : لقد صدقت ، كان بالمؤمنين رؤوفا رحيما وعلى الكافرين عذابا أليما ، فإذا عزوناه وجدناه أباك وأخا خليلك دون الأخلّاء ؛ آثره على كل حميم ، وساعده على الأمر الجسيم ، لا يحبّهم إلا عظيم السعادة ، ولا يبغضهم إلا رديء الولادة ؛ أنتم آل رسول اللّه الطيبون ، وأهل بيته المنتجبون ، وخيرة اللّه المصطفون . أما ما ذكرت من الميراث ، فقد دفعت إليكم ما خلّفه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله من آلة وأثاث وكراع ومنعتك ما سواه ، اتباعا لقوله حيث يقول : نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ، والرائد لا يكذّب أهله ، وكفى باللّه شهيدا .
ثم إنها عليها السّلام نهضت فعطفت على قبر أبيها صلّى اللّه عليه وآله وطافت به ، وتمثّلت بشعر هند ابنة إبانة ، وقد يقال إنها القائلة له :
قد كان بعدك أنباء وهنبثة * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * فاختلّ لأهلك واحضرهم فقد نكبوا
تجهّمتنا رجال واستخفّ بنا * أهل النفاق ونحن اليوم نغتصب
هامش
( 1 ) . سورة يوسف : الآية 18 .
( 2 ) . سورة المائدة : الآية 50 .
( 3 ) . سورة الزمر : الآية 40 .