والحجة على ذلك أن التأويل الأول موافق لعموم القرآن وتأويل الناصبة مانع من العموم ، وما يوافق ظاهر القرآن أولى بالحق مما خالفه .
فإن قالوا : هذا لا يصح ، وذلك لأن كل شيء تركه الخلق بأجمعهم صدقة ، وكان من صدقاتهم لم يورث ولم يصح ميراثه . فلا يكون حينئذ لتخصيص الأنبياء عليهم السلام بذكره فائدة معقولة .
قيل لهم : ليس الأمر كما ذكرتم ، وذلك إن الشيء قد يعمّ بتخصيص البعض للتحقيق به أنهم أولى الناس بالعمل بمعناه وألزم الخلق له ، وإن كان دينا لمن سواهم من المكلفين ؛ قال اللّه عز وجل :
« إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها »
« 1 » ، وإن كان منذرا لجميع العقلاء ؛ وقال :
« إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ »
« 2 » ، وإن كان يعمّرها الكفار ومن هو بخلاف هذه الصفة ؛ وقال :
« إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ »
« 3 » ، وإن كان في الكفار من إذا ذكر اللّه وجل قلبه وخاف وفي المؤمنين من يسمع ذكر اللّه وهو مسرور بنعم اللّه أو مشغول بضرب من المباح ، فلا يلحقه في الحال وجل ولا يعتريه خوف .
وهذا محسوس معروف بالعادات ، وهو كقول القائل : نحن معاشر المسلمين لا نقرّ على منكر ، وإن كان أهل الملل من غيرهم لا يقرّون على ما يرونه من المنكرات وفي المسلمين من يقرّ على منكر يعتقد صوابه بالشبهات ؛ وكقول فقيه من الفقهاء : نحن معاشر الفقهاء لا نرى قبول شهادة الفاسقين ، وقد ترى ذلك جماعة ممن ليس من الفقهاء ؛ وكقول القائل : نحن معاشر القرّاء لا نستجيز خيانة الظالمين ، وقد يدخل معهم من يحرم ذلك من غير القراء من العدول والفاسقين ؛ وأمثال هذا في القول المعتاد كثير .
وإنما المعنى في التخصيص به التحقيق بمعناه والتقدم فيه ، وأنهم قدوة لمن سواهم وأئمتهم في العلم نحو ما ذكرناه .
هامش
( 1 ) . سورة النازعات : الآية 45 .
( 2 ) . سورة التوبة : الآية 18 .
( 3 ) . سورة الأنفال : الآية 2 .