عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا . يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ »
« 1 » ، ولفظ الميراث في اللغة والشريعة والعرف إذا أطلق ولم يقيّد لا يفهم منه إلا الأموال وما معناها ، ولا يستعمل في غيرها إلا مجازا ؛ فمن ادعى أن المراد ميراث العلم والنبوة لا بد له من دليل .
علي أن القرائن على إرادة ما ذكرنا كثيرة :
منها : إن زكريا اشترط في وارثه أن يكون رضيا ، وإذا حمل الميراث على العلم والنبوة لم يكن لهذا الاشتراط معنى ، بل كان لغوا لأنه إذا سأل من يقوم مقامه في العلم والنبوة فقد دخل في سؤاله الرضا وما هو أعظم منه ، فلا معنى لاشتراطه . ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول أحد : اللهم ابعث إلينا نبيا واجعله مكلّفا عاقلا .
منها : إن الخوف من بني العم ومن يحذو حذوهم يناسب المال دون النبوة والعلم ، وكيف يخاف مثل زكريا أن يبعث اللّه تعالى إلى خلقه نبيا يقيمه مقام زكريا ولم يكن أهلا للنبوة والعلم ، سواء كان من موالي زكريا أو غيرهم ، على أن زكريا كان إنما بعث لإذاعة العلم ونشره في الناس ؛ فلا يجوز أن يخاف من الأمر الذي هو الغرض في بعثته .
الثالث : قوله سبحانه :
« وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ »
« 2 » والتقريب ما مرّ .
أقول : ويدل على بطلان هذا الخبر وجوه أخرى :
منها : إن أمير المؤمنين عليه السلام كان يرى الخبر موضوعا باطلا وكان عليه السلام لا يرى إلا الحق الصدق ، فلا بد من القول بأن من زعم أنه سمع الخبر كاذب . أما الأولى : فلما رواه مسلم في صحيحه في رواية طويلة أنه قال عمر لعلي عليه السلام والعباس : قال أبو بكر : قال رسول اللّه :
لا نورّث ما تركناه صدقة . فرأيتماه كاذبا آثما خائنا غادرا . واللّه يعلم إنه لصادق بارّ راشد تابع للحق . ثم توفّي أبو بكر فقلت : أنا ولي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وولي أبي بكر ، فرأيتماني كاذبا غادرا خائنا . واللّه يعلم إني لصادق بارّ تابع للحق فولّيتها .
ونحو ذلك روى البخاري وابن أبي الحديد عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري .
هامش
( 1 ) . سورة مريم : الآيتين 5 ، 6 .
( 2 ) . سورة النمل : الآية 16 .