فانبرى بعض الحاضرين فسدّد سهما لما رامه النبيّ ، فقال - ويا لهول ما قال ! - :
إنّ النبيّ ليهجر [ 1 ] ! ما أعظم هذه الجرأة على النبي ! ما أقسى هذا الاعتداء على مركز النبوّة ! يا لها من كلمة تحمل جميع ألوان الشرور ! ألم يسمع هذا القائل كلام اللّه تعالى في حقّ نبيّه العظيم :
ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى . وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى . عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى
[ 2 ] ؟
ألم تمرّ عليه هذه الآية في سموّ مكانة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله :
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ . ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ
[ 3 ] ؟
بلى واللّه ! لقد سمع هذا القائل ما أنزل اللّه من الآيات في كتابه المجيد في شأن رسوله الكريم ، ولكن الأطماع السياسية دفعته إلى هذا الموقف الذي يحزّ في نفس كلّ مسلم . . وكان ابن عباس حبر الامّة إذا ذكر هذا الحادث الرهيب يذوب لوعة ويبكي حتى تسيل دموعه على خدّيه كأنّها نظام اللؤلؤ وهو يقول :
يوم الخميس ، وما يوم الخميس ؟
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « ائتوني بالكتف والدّواة أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده أبدا »
، فقالوا : إنّ رسول اللّه يهجر [ 4 ] .
حقّا لأن يجزع ابن عبّاس ويبكي بأمرّ ألوان البكاء ، فقد دهمت المسلمين
هامش
[ 1 ] نصّ على هذه الحادثة المؤلمة جميع المؤرّخين في الإسلام ، ذكرها البخاري في صحيحه عدّة مرّات في 4 : 68 - 69 و 6 : 8 ، وقد كتم اسم القائل ، وفي نهاية ابن الأثير 4 : 130 ، وشرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد 3 : 114 وغيرهما تصريح باسمه .
[ 2 ] النجم : 2 - 5 .
[ 3 ] التكوير : 19 و 20 .
[ 4 ] مسند أحمد بن حنبل 1 : 355 .