أربعة من غلمانه ثم جعل يدخل دور بني هاشم ويقول : يا بني هاشم هذا الكميت قال فيكم الشعر حين صمت الناس عن فضلكم وعرّض دمه لبني أميّة فأثيبوه بما قدرتم ، فيطرح الرجل في الثوب ما قدر عليه من دنانير ودراهم ، واعلم النساء بذلك فكانت المرأة تبعث ما أمكنها حتى انّها لتخلع الحليّ عن جسدها ، فاجتمع من الدنانير والدراهم ما قيمته مائة ألف درهم ، فجاء بها إلى الكميت ، فقال : يا ابا المستهل أتيناك بجهد المقلّ ونحن في دولة عدوّنا وقد جمعنا لك هذا المال وفيه حلي النساء كما ترى فاستعن به على دهرك .
فقال : بأبي أنت وأمي قد أكثرتم وأطيبتم وما أردت بمدحي إياكم الّا اللّه ورسوله ولم أك لآخذ لذلك ثمنا من الدنيا ، فاردده إلى أهله ، فجهد به عبد اللّه أن يقبله بكل حيلة ، فأبى « 1 » .
( 1 ) وروت العامة عن صاعد مولى الكميت انّه قال : جئت مع مولاي إلى الإمام الباقر عليه السّلام فأنشد الكميت قصيدة مطلعها :
« من لقلب متيّم مستهام » .
فقال عليه السّلام : « اللهم اغفر للكميت ، اللهم اغفر للكميت » .
وقال صاعد أيضا : جاء الكميت يوما إلى مولانا الباقر عليه السّلام فأعطاه الامام ألف دينار وثياب ، فردّ الكميت الدنانير وأخذ الثياب تبرّكا ، وقال أيضا :
ذهبنا يوما إلى فاطمة بنت الحسين عليه السّلام فقالت : هذا شاعرنا أهل البيت فجاءت إليه بقدح من السويق ، فشرب منه ثم أمرت باعطائه ثلاثين دينارا ومركبا فبكى الكميت وقال :
واللّه لا آخذها انّي ما أحببتكم لأجل الدنيا .
( 2 ) وقس على هذا من القضايا الكثيرة ، والغرض من هذا التطويل التنبيه لبعض النفوس الناقصة الذين يقيمون مجالس العزاء لسيد الشهداء عليه السّلام بترك الإهانة والاستخفاف بأهل المنبر والذكر والمراثي ، ويزعمون أنهم اشتروا الخطيب وصار عبدا لهم بسبب ذلك المبلغ المختصر الذي يعطونه بعد أيام مديدة ، فيأمرونه وينهونه ويتوقعون منه أمورا في غير محلّها ،
هامش
( 1 ) مروج الذهب ، ج 3 ، ص 228 ، ملخّصا .