تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مكاتيب الأئمة ( ع ) — صفحة 498

مساهمون:

ص٤٩٨
فَإِنَّ العِلمَ يَدُلُّ على أن يُملى على مَن لا يُفيقُ « 1 » . قُلتُ : فَإِن لَم أجِدَ مَن يَعقِلُ السُّؤالَ عَنها ؟ قالَ عليه السلام : فَاغتَنِم جَهلَهُ عَنِ السُّؤالِ حَتّى تَسلَمَ مِن فِتنَةِ القَولِ وَعَظيمِ فِتنَةِ الرَّدِّ ، وَاعلَم أنَّ اللَّهَ لَم يَرفَعِ المُتَواضِعينَ بِقَدرِ تَواضُعِهِم ، وَلكِن رَفَعَهُم بِقَدرِ عَظَمَتِهِ وَمَجدِهِ ، وَلَم يُؤمِنِ الخائِفينَ بِقَدرِ خَوفِهِم ، وَلكِن آمَنَهُم بِقَدرِ كَرَمِهِ وَجودِهِ ، وَلَم يُفّرِجِ « 2 » المَحزونينَ بِقَدرِ حُزنِهِم ، وَلكِن بِقَدرِ رَأَفتِهِ وَرَحمَتِهِ ، فَما ظَنُّكَ بِالرّؤوفِ الرَّحيمِ الَّذي يَتَوَدَّدُ إلى مَن يُؤذيهِ بِأَوليائِهِ ، فَكَيفَ بِمَن يُؤذى فيهِ ؟ وَما ظَنُّكَ بِالتَّوابِ الرَّحيمِ الَّذي يَتوبُ على مَن يُعاديهِ فَكَيفَ بِمَن يَتَرَضّاهُ « 3 » ، وَيَختارُ عَدَاوَةَ الخَلقِ فيه ؟ . يا هِشامُ ؛ مَن أحَبَّ الدُّنيا ذَهَبَ خَوفُ الآخِرَةِ مِن قَلبِهِ ، وَما اوتِيَ عَبدٌ عِلماً فَازدادَ لِلدُّنيا حُبّاً ، إلّا ازدادَ مِنَ اللَّهِ بُعداً وَازدادَ اللَّهُ عَلَيهِ غَضَباً . يا هِشامُ ؛ إنَّ العاقِلَ اللَّبيبَ مَن تَرَكَ ما لا طاقَةَ لَهُ بِهِ ، وَأكثَرَ الصَّوابَ في خِلافِ الهَوى وَمَن طالَ أملُهُ ساءَ عَمَلُهُ . يا هِشامُ ؛ لَو رَأَيتَ مَسيرَ الأَجَلِ لَأَلهاكَ عَنِ الأَملِ . يا هِشامُ ؛ إيّاكَ وَالطَّمَعَ وَعَلَيكَ بِاليَأسِ مِمّا في أيدي النّاسِ ، وَأمِتِ الطَّمَعَ مِنَ المَخلوقينَ ، فَإِنَّ الطَّمَعَ مِفتاحٌ لِلذُّلِّ ، وَاختِلاسَ العَقلِ وَاختِلاقَ « 4 » المُرُوّاتِ وَتَدنيسَ العِرضِ « 5 » ، والذَّهابَ بِالعِلمِ ، وَعَلَيكَ بِالاعتِصامِ بِرَبِّكَ وَالتَّوَكُّلَ عَلَيهِ ، وَجاهِد نَفسَكَ لِتَرُدَّها عَن هَواها ، فَإِنَّهُ واجِبٌ عَلَيكَ كَجِهادِ عَدُوِّكَ . قالَ هِشامُ : فَقُلتُ لَهُ : فَأَيُّ الأَعداءِ أوجَبُهُم مُجاهَدَةً ؟ قالَ عليه السلام : أقرَبُهُم إلَيكَ ، وَأَعداهُم لَكَ
هامش
( 1 ) . الإفاقة : الرّجوع عن الكسر والإغماء والغفلة إلى حال الاستقامة . وفي بعض النّسخ : « فإنّ العلم يذلّ على أن يحمل على من لا يفيق » وفي بعضها : « يجلى » . ( 2 ) . في بعض النّسخ : « يفرح » . ( 3 ) . يترضّاه : أي يطلب رضاه . ( 4 ) . الاختلاق : الافتراء . وفي بعض النّسخ : « وأخلاق » . والظّاهر أنّه جمع خلق - بالتحريك - أي البالي . ( 5 ) . العرض : النّفس والخليقة المحمودة - وأيضاً - : ما يفتخر الإنسان من حسب وشرف .