وَلا رأيٍ وَلا مَقاييسَ ، قَد أنزَلَ اللَّهُ القُرآنَ وَجَعَلَ فيهِ تَبيانَ كُلِّ شَيءٍ ، وَجَعَلَ لِلقُرآنِ وَلِتَعَلُّمِ القُرآنِ أهلًا لا يَسَعُ أهلَ عِلمِ القُرآنِ الّذينَ آتاهُمُ اللَّهُ عِلمَهُ أن يَأخُذوا فيهِ بِهَوى وَلا رَأيٍ وَلا مَقاييسَ ، أغناهُمُ اللَّهُ عَن ذلِكَ بِما آتاهُم مِن عِلمِهِ ، وَخَصَّهُم بِهِ ، وَوَضَعَهُ عِندَهُم ، كَرامَةً مِنَ اللَّهِ أكرَمَهُم بِها ، وَهُم أهلُ الذّكرِ الّذينَ أمَرَ اللَّهُ هذهِ الأُمَّةَ بِسُؤالِهِم ، وَهُم الّذينَ مَن سَألَهُم - وَقَد سَبَق في عِلمِ اللَّهِ أن يُصَدِّقَهُم وَيَتَّبِعَ أثَرَهُم - أرشَدوهُ وَأعطَوهُ من عِلمِ القُرآنِ ما يَهتدي بِهِ إلى اللَّهِ بِإذنِهِ ، وإلى جَميعِ سُبُلِ الحَقِّ ، وَهُمُ الّذينَ لا يُرغَبُ عَنهُم وَعَن مَسأَلتِهِم وَعَن عِلمِهِم الّذي أكرَمَهُمُ اللَّهُ بِهِ ، وَجَعَلَهُ عِندَهُم ، إلّامَن سَبَقَ عَلَيهِ في عِلمِ اللَّهِ الشّقاءُ في أصلِ الخَلقِ ، تَحتَ الأظِلَّةِ ، فَأولئِكَ الّذينَ يَرغَبونَ عَن سُؤالِ أهلِ الذِّكرِ ، وَالّذينَ آتاهُمُ اللَّهُ عِلمَ القُرآنِ ، وَوَضَعَهُ عِندَهُم ، وَأمَرَ بِسُؤالِهِم ، وَأُولئِكَ الّذينَ يَأخذونَ بِأهوائِهِم وَآرائِهِم وَمَقائيسِهِم ، حَتّى دَخَلَهُم الشَّيطانُ ؛ لِأنَّهُم جَعَلوا أهلَ الإيمانِ في عِلمِ القُرآنِ عِندَ اللَّهِ كافرينَ ، وَجَعَلوا أهلَ الضَّلالَةِ في عِلمِ القُرآنِ عِندَ اللَّهِ مُؤمِنينَ ، وَحَتّى جَعَلوا ما أحَلَّ اللَّهُ في كَثيرٍ مِنَ الأمرِ حَراماً ، وَجَعَلوا ما حَرَّمَ اللَّهُ في كَثيرٍ مِنَ الأمرِ حَلالًا ، فذلِكَ أصلُ ثَمَرَةِ أهوائِهِم .
وَقَد عَهِدَ إلَيهمِ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله قَبلَ مَوتِهِ فَقالوا : نَحنُ بَعدَ ما قَبَضَ اللَّهُ عز وجل رَسولَهُ يَسَعُنا أن نَأخُذَ بِما اجتَمَعَ عَلَيهِ رَأيُ النّاسِ بَعدَ ما قَبَضَ اللَّهُ عز وجل رَسولَهُ صلى الله عليه وآله ، وَبَعدَ عَهدِهِ الّذي عَهِدَهُ إلَينا وَأمَرَنا بِهِ ، مخُالِفاً للَّهِ وَلِرَسولِهِ صلى الله عليه وآله ، فَما أحَدٌ أجَرأُ عَلى اللَّهِ وَلا أبيَنُ ضَلالَةً مِمَّن أخَذَ بِذلِكَ ، وَزَعَمَ أنَّ ذلِكَ يَسَعُهُ ، وَاللَّهِ إنَّ للَّهِ على خَلقِهِ أن يُطيعوهُ وَيَتَّبِعوا أمرَهُ في حَياةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله ، وَبَعدَ مَوتِهِ ، هَل يَستَطيعُ أولئِكَ أعداءُ اللَّهِ أن يَزعُموا أنَّ أحَدَاً مِمَّن أسلَمَ مَعَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله ، أخَذَ بِقَولِهِ وَرَأيِهِ وَمَقائيسِهِ ؟ فإن قالَ :
نَعَم ، فَقَد كَذَّبَ عَلى اللَّهِ وَضَلَّ ضَلالًا بَعيداً . وَإن قالَ : لا ، لَم يَكُن لِأحَدٍ أن يأخُذَ بِرَأيِهِ وَهَواهُ وَمَقاييسِهِ ، فَقَد أقرَّ بِالحُجَّةِ على نَفسِهِ ، وَهُوَ مِمَّن يَزعُمُ أنَّ اللَّهَ يُطاعُ
مكاتيب الأئمة ( ع ) — صفحة 114
مساهمون: علي الأحمدي الميانجي
ص١١٤