ودفع إليهما كتاب القرآن وكتاب العلم ، ثُمَّ لمَّا جمع النَّاس ، قال لهما : ما قال ، ثُمَّ كتب كتاب وصيَّة ، وهو :
« بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
هذا ما أوْصَى بِهِ عَبدُ اللَّهِ عليُّ بنُ أبي طالبٍ لآخِرِ أيَّامِه مِنَ الدُّنيا ، وهو صائِرٌ إلى بَرْزَخِ المَوْتَى والرَحِيل عَنِ الأهْل والأخِلَّاء .
وهُو يَشْهَد أن لا إلهَ إلَّااللَّهُ ، وَحْدَه لا شَريِك لَهُ ، وأنَّ محمَّداً عبْدُه ورسولُه وأميِنُهُ ، صَلواتُ اللَّه عليْه وعلى آلِهِ وعلَى إخوانِهِ المُرسَلِينَ وذُرِّيِتِهِ الطَّيِّبِينَ ، وجَزى اللَّهُ عنَّا مُحَمَّداً أفْضلَ ما جَزى نَبِيَّاً عن أُمَّتِه .
وأُوصِيك يا حَسَنُ ، وجميعَ مَن حَضَرَنِي من أهلِ بَيْتِي ووَلَدِي وشِيعَتِي بتقْوَى اللَّهِ ، ولا تَمُوتُنَّ إلَّاوأنتُم مسْلِمونَ ، واعْتَصِموا بِحَبْلِ اللَّهِ جَميعاً ولا تَفَرَّقُوا ، فإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله يقولُ : صَلاحُ ذاتِ البَيْن أفضَلُ مِن عامَّةِ الصَّلاةِ والصَّومِ .
وأُوصِيكُم بالعَمَلِ قبْلَ أن يُؤْخَذَ مِنكُم بالكَظْمِ ، وباغتِنامِ الصِحَّةِ قَبْلَ السُّقْمِ ، وقبْلَ « أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَحَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطتُ فِى جَنم - بِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَخِرِينَ » « 1 » ، أو تقولُ : لوْ أنَّ اللَّه هَدانِي لَكنتُ من المُتَّقِين ، وأنَّى ، ومِن أيْنَ ، وقدْ كُنتَ لِلهَوى مُتَّبِعَاً ، فيُكْشَفُ عن بَصَرِهِ ، وتُهْتَكُ لَهُ حُجُبُهُ ، لِقَولِ اللَّهِ عز وجل :
« فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَ كَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ » « 2 » ، أنَّى لَهُ البَصَر ، ألا أبْصَرَ قبْلَ هذا الوَقْتِ الضَّرَرَ ، قبْلَ أن تُحْجَب التَّوْبَةُ بِنُزُول الكُرْبَةِ فَتَتَمنَّى النَّفسُ أن لوْ رُدَّتْ لِتَعمَل بتقْواها ، فلا يْنَفُعها المُنى .
هامش
( 1 ) الزمر : 56 .
( 2 ) ق : 22 .