وفي تاريخ اليعقوبيّ : بلغ عثمان أيضاً أنّ أبا ذَرّ يقع فيه ، ويذكر ما غيّر وبدّل من سُنَنِ رَسولِ اللَّهِ ، وسُنَنِ أبي بكرٍ وعُمرَ ، فسيّره إلى الشَّام إلى معاوية ، وكان يجلس في المسجد فيقول كما كان يقول ، ويجتمع إليه النَّاس ، حتَّى كثر من يجتمع إليه ويسمع منه .
وكان يقف على باب دمشق ، إذا صلّى صلاة الصُّبح ، فيقول : جاءت القَطارُ تحمِلُ النَّارَ ، لَعَنَ اللَّهُ الآمرِينَ بالمَعرُوفِ والتَّارِكينَ لَهُ ، وَلَعَنَ اللَّهُ النَّاهينَ عَنِ المُنكَرِ وَالآتينَ لَهُ .
وكتب معاوية إلى عثمان : إنّك قد أفسدت الشَّام على نفسك بأبي ذَرّ ، فكتب إليه أن : احمِلهُ عَلَى قَتَبٍ « 1 » بِغَيرِ وِطاء ، فَقَدِمَ بِهِ إلى المَدينَةِ ، وَقَد ذَهَبَ لَحمُ فَخِذَيهِ ، فلمّا دخل إليه وعنده جماعة قال : بَلَغَنِي أَنّك تقول : سَمِعتُ رَسولَ اللَّهِ يقولُ :
« إذا كَمُلَت بَنُو امَيّةَ ثَلاثينَ رَجُلًا ، اتّخَذُوا بِلادَ اللَّهِ دُوَلًا « 2 » ، وعِبادَ اللَّهِ خَوَلًا « 3 » ، ودينَ اللَّهِ دَغَلًا « 4 » »
فقال : نَعَم ، سَمِعتُ رَسولَ اللَّهِ يقولُ ذلِكَ . فقال لهم :
أسمعتم رسول اللَّه يقول ذلك ؟
فبعث إلى عليّ بن أبي طالب ، فأتاه ، فقال : يا أبا الحسن ! أسَمِعتَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ ما حَكاهُ أبو ذَرّ ؟ وقصّ عليه الخبرَ . فقال عليّ : نعم ! قال : وَكيفَ تَشهَدُ ؟ قال : لقول رسول اللَّه صلى الله عليه وآله :
« ما أظَلَّتِ الخَضرَاءُ ، ولَا أقلّتِ الغَبراءُ ذا لَهجَةٍ أَصدَقَ مِن أبي ذَرّ »
.
هامش
( 1 ) . القَتَب : رَحْل البَعِير ، صغير على قدر السَّنَام ( مجمع البحرين : ج 3 ص 1437 ) .
( 2 ) . الدُّوَل : جمع دُولة ؛ وهو ما يُتداوَل من المال ، فيكون لقوم دون قوم ( النهاية : ج 2 ص 140 ) .
( 3 ) . خَوَلًا : أي خَدماً وعَبيداً ، يعني أنّهم يستخدمونهم ويَستعبِدونهم ( النهاية : ج 2 ص 88 ) .
( 4 ) . دَغَلًا : أي يَخدعون به الناسَ ، وأصل الدَّغَل : الشَّجَر الملتَفّ الَّذي يكمُن أهل الفَساد فيه ( النهاية : ج 2 ص 123 ) .