يا وقعة الطفّ قد أورثتني حزناً * واللّه يهتك أستار المسيئينا
قال : وصار أهل الكوفة يناولون الأطفال الذين على المحامل بعض التمر والخبز والجوز ، فصاحت بهم أمُّ كلثوم وقالت : يا أهل الكوفة ! إنّ الصدقة علينا حرام ! وصارت تأخذ ذلك من أيدي الأطفال وأفواههم وترمي به إلى الأرض .
قال كلّ ذلك والنّاس يبكون على ما أصابهم !
ثمّ إنّ أمَّ كلثوم أطلعت رأسها من المحمل ، وقالت لهم :
صهٍ يا أهل الكوفة ! تقتلنا رجالكم وتبكينا نساؤكم ! ؟ فالحاكم بيننا وبينكم اللّه يوم فصل القضاء !
فبينما هي تخاطبهنّ إذا بضجّة قد ارتفعت ، فإذاهم أتوا بالرؤوس يقدمهم رأس الحسين عليه السلام ، « 1 » وهو رأسٌ زهريٌّ قمرىٌّ أشبه الخلق برسول اللّه صلى الله عليه وآله ، ولحيته كسواد السَّبَج « 2 » قد انتصل منها الخضاب ، ووجهه دارة قمر طالع ! والرمح تلعب بها ( كذا ) يميناً وشمالًا ، فالتفتت زينب فرأت رأس أخيها فنطحت جبينها بمقدَّم المحمل ، حتّى رأينا الدّم يخرج من تحت قناعها ، وأومأت إليه بخرقة وجعلت تقول :
يا هلالًا لمّا استتمَّ كمالا * غاله خسفه فأبدى غروبا
ما توهمّت يا شقيق فؤادي * كان هذا مُقدَّراً مكتوبا
يا أخي فاطم الصغيرة كلّمها * فقد كاد قلبها أن يذوبا
هامش
( 1 ) ظاهر هذا الخبر يخالف الأخبار التي مضت قبل هذا ، والمصرّحة بأنّ رأس الإمام عليه السلام أخذ منساعته إلى ابن زياد بيد خولّي وحميد بن مسلم ، إلّا أن يُراد أنّ الرؤوس المقدّسة جيء من القصر بها إلى حيث يمرّ الركب تلك الساعة داخل الكوفة . واللّه العالم .
( 2 ) السَّبَج : حجر أسود شديد السواد برّاق .