أهلكت عشيرتي ! ؟ أين أهل الدين ! ؟ أين أهل المصر ! ؟ - والدماء تسيل على لحيته ، إذ سمع الرجّة على باب القصر - فقال : إنّي لأظنّها أصوات مذحج وشيعتي من المسلمين ، إنّه إنْ دخل عليَّ عشرة نفر أنقذوني !
فلمّا سمع كلامه شريح خرج إليهم ، فقال لهم : إنّ الأمير لمّا بلغه مكانكم ومقالتكم في صاحبكم أمرني بالدخول إليه ، فأتيته فنظرت إليه ، فأمرني أن ألقاكم وأعرّفكم أنّه حيٌّ ، وأنّ الذي بلغكم من قتله باطل !
فقال له عمرو بن الحجّاج وأصحابه : أمّا إذا لم يُقتل فالحمد للّه ! ثمّ انصرفوا ! » . « 1 »
وفي رواية الدينوري : « فقال لهم سيّدهم عمرو بن الحجّاج : أما إذ كان صاحبكم حيّاً فما يعجلكم الفتنة ! ؟ انصرفوا ! . فانصرفوا » . « 2 »
لقد تجسّد دور شريح القاضي الخياني - وما أكثر أدواره الخيانيّة - في ممارسته التورية في عبارته الأخيرة : « فأمرني أن ألقاكم وأعرّفكم أنّه حيّ ، وأنّ الذي بلغكم من قتله باطل ! » لأنه أتى بهذه العبارة بعد قوله لهم : « فأتيته فنظرت إليه » ، فكأن الذي أمره هو هاني ( رض ) نفسه لا ابن زياد ، ليشيع في نفوسهم الطمأنينة ، وليوحي لهم أنّ هائناً يقول : إنّ الذي أثاركم وألّبكم خبرٌ باطل ، ولا داعي لهذه الإثارة وهذه الفتنة !
وهنا يواصل عمرو بن الحجّاج دوره الخياني الطويل ، فلا يردٌّ على شريح
هامش
( 1 ) الإرشاد : 192 .
( 2 ) الأخبار الطوال : 238 .