تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مع الركب الحسيني — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣

حركة السلطة الأمويّة المحلّية في مكة المكرمة

قلق الوالي من تواجد الإمام عليه السلام في مكّة

ذعر عمرو بن سعيد بن العاص ( الأشدق ) « 1 » والي مكة آنذاك من دخول الإمام
هامش
( 1 ) عُرف هذا الجبّار الأمويّ بنصبه وبغضه الشديد لأمير المؤمنين عليّ عليه السلام وكثرة شتمه إيّاه ، ولُقّب‌بالأشدق لأنه أصابه اعوجاج في حلقه لإغراقه في الشتم ! ( راجع : معجم الشعراء : 231 ) . لقد كان عمرو بن سعيد الأشدق شديد التعصّب لأمويته ، شديد البغض لبني هاشم عامة ولأهل البيت عليهم السلام خاصة ، وكان فظاً غليظاً ، جباراً متكبّراً ، لا يبالي ولايستحي من قلب الحقائق وادّعاء ما ليس أهلًا له ، ومن خطبه التي كشف منها عن اعتزازه بجاهليته وأمويته وبغضه لأهل البيت عليهم السلام ، وفظاظته وغلظته وتجبّره ما رواه لنا ابن عبد ربه الأندلسي عن العتبي قال : « استعمل سعيد بن العاص وهو والٍ على المدينة ، ابنه عمرو بن سعيد والياً على مكّة ، فلمّا قدم لم يلقه قرشيٌّ ولا أموي إلا أن يكون الحارث بن نوفل . فلما لقيه قال : لم ياحار ! ما الذي منع قومك أن يلقوني كما لقيتني ! ؟ قال : ما منعهم من ذلك إلّا ما استقبلتني به ! واللَّه ما كنيتني ولا أتممتَ اسمي ! وإنّما أنهاك عن التكبّر على أكفائك ، فإنّ ذلك لايرفعك عليهم ولا يضعهم لك . قال : واللَّه ما أسأت الموعظة ولا أتهمك على النصيحة ، وإنّ الذي رأيت مني لخُلق ! ! فلمّا دخل مكة قام على المنبر فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال : أما بعد ، مَعشر أهل مكّة ، فإنّا سكنّاها حقبةً ، وخرجنا عنها رغبةً ، وكذلك كنّا إذا رُفعت لنا لهوة - عطية - بعد لهوة أخذنا أسناها ونزلنا أعلاها ، ثم شَدَخ أمرٌ بين أمرين فقتلنا وقُتلنا ، فواللَّهِ مانزعنا ولا نُزع عنا ، حتى شرب الدم دماً وأكل اللحم لحماً ، وقرع العظم عظماً ، فَوَلي رسول اللَّه برسالة اللَّه إيّاه ، واختياره له . ثم ولي أبو بكر لسابقته وفضله ، ثم ولي عمر ، ثم أُجيلت قداح نُزعن من شُعب حول نبعة ففاز بحظها أصلبها وأعنفها ، فكنا بعض قداحها ، ثمّ شَدَخ أمرٌ بين أمرين ، فقتلنا وقُتلنا ، فواللَّهِ مانزعنا ولا نُزع عنا حتى شرب الدم دماً ، وأكل اللحم لحماً وقرَعَ العظم عظماً ، وعاد الحرام حلالًا ، وأسكت كلُّ ذي حسٍ عن ضرب مُهند ، عَرْكاً عَرْكاً ، وعسفاً عسفاً ووخزاً ونهساً ، حتى طابوا عن حقّنا نفساً ، واللَّهِ ما أعطوه عن هوادة ، ولا رضوا فيه بالقضاء ، أصبحوا يقولون حَقُنا غُلبنا عليه ! فجزَينا هذا بهذا وهذا في هذا ! يا أهل مكّة ، أنفسكم أنفسكم ، وسفهاءكم سفهاءكم ، فإنّ معي سوطاً نكالًا ، وسيفاً وبالًا ، وكلّ مصبوبٍ على أهله . ثم نزل » . ( العقد الفريد ، 4 : 134 ) . وكان هذا الأشدق من جملة أولئك الذين أظهروا ولاءهم ليزيد في حياة أبيه معاوية وهذا بلا شك من جملة الأسباب التي أبقت هذا الأشدق والياً على مكّة حتى بعد موت معاوية بل أضاف إليه يزيد الولاية على المدينة بعد عزل الوليد بن عتبة ، تقول رواية تأريخيّة : « لما عقد معاوية ليزيد البيعة قام الناس يخطبون ، فقال لعمرو بن سعيد قم يا أبا اميّة . فقام فحمد اللَّه وأثنى عليه ، ثم قال : أمّا بعدُ ، فإنّ يزيد بن معاوية أملٌ تأملونه وأجل تأمنونه ، إن استضفتم إلى حلمه وَسعكم ، وإن احتجتم إلى رأيه أرشدكم ، وإن افتقرتم إلى ذات يده أغناكم جَذَع قارح ، سُوبق فَسَبق ، ومُوجد فَمَجد ، وقورع فقرع ، فهو خلف أمير المؤمنين ولا خَلَف منه . فقال له معاوية : أوسعت أبا أميّة فاجلس . » ( العقد الفريد ، 4 : 132 ) .