العرض . والذهاب بالعلم وعليك بالاعتصام بربك والتوكل عليه وجاهد نفسك لتردّها عن هواها ، فإنه واجب عليك كجهاد عدوّك . قال هشام : فقلت له فأي الأعداء أوجبهم مجاهدة ؟
قال عليه السلام : أقربهم إليك وأعداهم لك وأضرّهم بك وأعظمهم لك عداة وأخفاهم لك شخصا مع دنوّه منك . ومن يحرّض أعداءك عليك وهو إبليس الموكل بوسواس [ من ] القلوب فله فلتشتدّ عداوتك . ولا يكوننّ أصبر على مجاهدتك لهلكتك منك على صبرك لمجاهدته ، فإنه أضعف منك ركنا في قوته وأقلّ منك ضررا في كثرة شرّه . إذا أنت اعتصمت باللّه فقد هديت إلى صراط مستقيم .
يا هشام : من أكرمه اللّه بثلاث فقد لطف له : عقل يكفيه مؤونة هواه . وعلم يكفيه مؤونة جهله وغنى يكفيه مخافة الفقر .
يا هشام : احذر هذه الدنيا واحذر أهلها ، فإن الناس فيها على أربعة أصناف : رجل متردّي معانق لهواه . ومتعلم مقري كلما ازداد علما ازداد كبرا ، يستعلى بقراءته وعلمه على من هو دونه . وعابد جاهل يستصغر من هو دونه في عبادته يحبّ أن يعظّم ويوقّر .
وذي بصيرة عالم عارف بطريق الحقّ يحبّ القيام به ، فهو عاجز أو مغلوب ولا يقدر على القيام بما يعرف [ ه ] فهو محزون ، مغموم بذلك ، فهو أمثل أهل زمانه وأوجههم عقلا .
يا هشام : أعرف العقل وجنده ، والجهل وجنده تكن من المهتدين ، قال هشام :
فقلت : جعلت فداك لا نعرف إلا ما عرّفتنا ؟
فقال عليه السلام : يا هشام : إن اللّه خلق العقل وهو أول خلق خلقه اللّه من الروحانيين عن يمين العرش من نوره فقال له : أدبر ، فأدبر . ثم قال له : أقبل ، فأقبل .
فقال اللّه جلّ وعزّ : خلقتك خلقا [ عظيما ] وكرّمتك على جميع خلقي . ثم خلق الجهل من البحر الأجاج الظلماني ، فقال له : أدبر ، فأدبر . ثم قال له : أقبل ، فلم يقبل .
فقال له : استكبرت فلعنه . ثم جعل للعقل خمسة وسبعين جندا ، فلما رأى الجهل ما كرّم اللّه به العقل وما أعطاه أضمر له العداوة فقال الجهل : يا ربّ هذا خلق مثلي خلقته وكرمته وقوّيته وأنا ضدّه ولا قوّة لي به أعطني من الجند مثل ما أعطيته ؟ فقال
مسند الإمام الكاظم ( ع ) — صفحة 238
مساهمون: الشيخ عزيز الله عطاردي
ص٢٣٨