فإن قيل : كيف جعله صلى اللّه عليه وسلم علامة على النبوة ، وإنما كانت بعد الأربعين ؟
أجيب بجواز أنه صلى اللّه عليه وسلم لما رأى تلك الحالة العجيبة في صغره علم أنه يكون له شأن وصار مطمئنا لما يرد عليه ، فلما جاءه الوحي علم بالمقدمات المستقرة أن هذا أمر من اللّه ليس للشيطان فيه سبيل . . انتهى .
ولا ينافيه ما في حديث عائشة - رضى اللّه تعالى عنها - من أنه رجع بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يرجف فؤاده إلى أن قال : « خشيت على نفسي » ، فقد وجّهت الخشية على أحسن الأقوال وأصوبها بأنها من الموت ، أو من المرض ، أو من عدم القوة على تلقى الوحي وإطاقته ، وليس المراد أنه خشي أن يكون ما أتاه ليس من عند اللّه كما سيأتي ؛ لأنه متحقق أنه من عند اللّه ، فقول خديجة :
« كلا واللّه ما يخزيك اللّه . . » إلى آخر ما في الحديث ، لعلها لم تفهم ما سبب الخوف ، ولذا انطلقت به إلى ورقة .
قال القاضي عياض : وهذا الخاتم هو أثر شق الملكين بين كتفيه . وأبطله الإمام النووي بأن شقهما كان في بطنه وصدره كما في الروايات ، ومن ثم صح عن أنس رضى اللّه عنه : « كنت أرى أثر المخيط في صدره صلى اللّه عليه وسلم » « 1 » .
وقد ثبت أن خاتم النبوة كان بين كتفيه صلى اللّه عليه وسلم ، وورد التصريح في بعض الروايات بالختم على قلبه صلى اللّه عليه وسلم ، ففي رواية أبى نعيم كما في « المنح » عن حليمة عنه صلى اللّه عليه وسلم : « ثم قال - أي أشار - الملك بيده يمنة ويسرة ، كأنه تناول شيئا ، فإذا خاتم من نور يحار الناظر دونه ، فختم به على قلبي فامتلأ نورا ، وذلك نور النبوة والحكمة ، ثم أعاده مكانه فوجدت برد ذلك الخاتم في قلبي دهرا . . » « 2 » الحديث .
ويؤيد هذا ما مر في رواية الإمام أحمد : « وختم عليه بخاتم النبوة » ، إذ ظاهره أن الختم على القلب ، وإعادة الضمير هنا للنبي صلى اللّه عليه وسلم بعيد ، وينافي هذا
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم ( كتاب الإيمان : 261 ) ، أحمد في مسنده ( 3 / 121 ) .
( 2 ) أخرجه أحمد في مسنده ( 4 / 184 ) ، وابن عساكر ( 1 / 38 ، 372 ) .