البراري . . . كذا قال بعضهم .
لكن مقتضى كلام البيضاوي « 1 » أنها تارة تصيب الصاعد ، وتارة لا ، ولذلك لا يرتدعون عنه رأسا .
ولا يقال إن الشيطان من النار فلا يحترق بها ؛ لأنه ليس من النار الصرف كما أن الإنسان ليس من التراب الخالص ، وإنما نسب إليها خلقه في قوله تعالى :
وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ
« 2 » كما ينسب خلق الإنسان إلى التراب كما في قوله :
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ
« 3 » لكون الجزء النارى في نوع الجن أغلب ، كما أن الجزء الترابى في نوع الإنسان أغلب ، وإلا فكل موجود مركب من العناصر الأربع التي هي النار والتراب والماء والهواء ، مع أن النار القوية إذا استولت على النار الضعيفة أهلكتها .
وفي عبارة بعضهم : روى أن الشياطين كانت تصعد إلى السماء ثم تجاوز السماء الدنيا إلى غيرها ، فلما ولد عيسى - عليه الصلاة والسلام - منعوا من مجاوزة السماء الدنيا ، وصاروا يسترقون السمع في السماء الدنيا في بعض الأحايين ، وفي أكثر الأحايين يسترقون دونها ، حتى بعث النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فمنعوا أصلا فصاروا لا يسترقون السمع إلا دون السماء الدنيا .
وقوله : « منعوا من مجاوزة السماء الدنيا » فيه نظر ؛ لما مر عن ابن عباس ووهب من أن الحجب كان عن ثلاث سماوات أو عن أربع .
واختلف متى كان هذا الرمي بالنجوم ؛ فقيل : إنما حدث بعد مبعثه صلى اللّه عليه وسلم ؛ لئلا تلتبس الكهانة بالوحي ؛ ولأن ذلك أظهر للحجة وأقطع للشبهة ، واحتج من قال بهذا : بكون العرب قد استغربت ذلك حتى أفزعوا لذلك ، وسار بعضهم إلى عمرو بن أمية الثقفي - وكان من دهاة العرب - فقالوا : يا عمرو ،
هامش
( 1 ) هو عبد اللّه بن عمر بن علي الشيرازي ، أبو سعيد ناصر الدين البيضاوي ، مفسر ، قاض ، توفى في تبريز سنة ( 685 ه ) وقيل : سنة ( 691 ه ) . الأعلام ( 4 / 110 ) .
( 2 ) سورة الرحمن : 15 .
( 3 ) سورة غافر : 67 .