أتتنا على زيّ العزيز بثينة * وزينتها في مثل تلك الشّمائل
فقلت لها : غرّي سواي فإنّني * عزوف عن الدّنيا ولست بجاهل
وما أنا والدّنيا فإنّ محمّدا * أحلّ صريعا بين تلك الجنادل
وهبها أتتنا بالكنوز ودرّها * وأموال قارون وملك القبائل
أليس جميعا للفناء مصيرنا * ويطلب من خزّانها بالطّوائل
فغرّي سواي إنّني غير راغب * بما فيك من عزّ وملك ونائل
فقد قنّعت نفسي بما قد رزقته * فشأنك يا دنيا وأهل الغوائل
فإنّي أخاف اللّه يوم لقائه * وأخشى عذابا دائما غير زائل
فخرج من الدنيا وليس في عنقه تبعة لأحد ، لقى اللّه محمودا غير ملوم ، ولا مذموم .
ثمّ اقتدت به الأئمّة من بعده بما قد بلغكم لم يخلطوا بشيء من بوائقها عليهم السلام أجمعين ، وأحسن مثواهم .
أقول : وإنّما تتمثّل الدنيا بتمام جمالها وزينتها وزخارفها وإقبالها على أمير المؤمنين عليه السّلام في أرض فدك وطلبها منه عليه السّلام التزويج معها ، فلم يقبل عليه السّلام مسألتها وأمرها إلى الرجوع بغيره وإلى أبناء الدنيا ، في هذه القضيّة نكات :
منها ؛ أنّ الزهد بهذا المرتبة مختصّ به وبولده الأئمّة المعصومين عليهم السّلام بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وبعد فاطمة الزهراء عليها السّلام ، فهم الّذين لم يميلوا إلى الدنيا وزخارفها طرفة عين .
وأمّا غيرهم لن يقدروا على مثل ذلك الزهد عن الدنيا أبدا ، لأنّهم عليهم السّلام عباد اللّه المخلصين ، وبأمره يعملون ، وبما عند اللّه من الخير الأبدية وحياة الطيّبة الاخرويّة موقنون ، وعلى حقيقة الدنيا من أنّها لعب ولهو وزينة وتفاخر وتكاثر . . . - كما قال اللّه تعالى في آية 20 من سورة الحديد وغيرها - عارفون وكاملون ، ولا يدانيهم في ذلك أحد .