« رحم اللّه أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده » « 1 » .
( 1 ) وقد كشف المستقبل عن صحة هذه النبوءة ، فقد توفي أبو ذر في صحراء « الربذة » ، وعنده ابنته بعيدا عن الناس في حالة مأساوية « 2 » .
لقد تحققت نبوءة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في معركة تبوك بعد ثلاثة وعشرين عاما ، فقد نفي هذا الصحابي المجاهد الصادق إلى الشام ثم إلى الربذة لا لشيء إلّا لأنّه جهر بالحق ، وطالب بالعدل ، وفقد قواه وطاقاته البدنية شيئا فشيئا حتى غدى طريح الفراش ، في تلك المنطقة الوعرة .
وفيما كان يمضي الدقائق الأخيرة من حياته الحافلة بالاحداث والتطورات ، وامرأته جالسة عنده ترمق محيّاه المشرق المتعب وقد عرق جبينه ، وهي تمسح بيدها العرق وتبكي قال لها : ما يبكيك ؟
فقالت : أبكي أنه لا يد لي بتغييبك ( أي ليس لي من يعينني على دفنك ، أو ليس عندي ثوب يسعك كفنا ) !
فارتسمت على شفتي أبي ذر ابتسامة مرّة وقال : لا تبكي عليّ ، فاني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ذات يوم وأنا عنده في نفر يقول : ليموتنّ رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين ( ثم قال : ) فكلّ من كان معي في ذلك المجلس مات في جماعة وقرية ، فلم يبق منهم غيري ، وقد أصبحت بالفلاة أموت فراقبي الطريق ، فإنك سوف ترين ما أقول لك فاني واللّه ما كذبت ولا كذبت .
قال هذا وفاضت روحه المباركة « 3 » .
( 2 ) ولقد صدق أبو ذر ، فقد كانت ثمة قافلة من المسلمين تضم شخصيات
هامش
( 1 ) السيرة النبوية : ج 2 ص 525 .
( 2 ) المغازي : ج 3 ص 1000 و 1001 .
( 3 ) أسد الغابة : ج 1 ص 302 ، الطبقات الكبرى : ج 4 ص 223 ، حلية الأولياء : ج 1 ص 302 .