فقال أبو نائلة : إنّ معي رجالا من أصحابي على مثل رأيي ، وقد أردت أن آتيك بهم فنبتاع منك طعاما ، أو تمرا وتحسن في ذلك إلينا ، ونرهنك ما يكون لك فيه ثقة .
( 1 ) فقال كعب : وما ذا ترهنونني يا أبا نائلة ، أبناءكم ونساءكم ؟ ؟ !
فقال أبو نائلة : لقد أردت أن تفضحنا وتظهر أمرنا ، ولكنا نرهنك من الحلقة ( أي السلاح ) ما ترضى به .
فرضي كعب بن الأشرف بذلك .
وإنما قال أبو نائلة هذا القول لابن الأشرف حتى لا يستغرب إذا رأى السلاح بيد الرجال الذين سيأتون معه .
ثم خرج أبو نائلة من عند ابن الأشرف على ميعاد ، فاتى أصحابه ، فأخبرهم بما دار بينه وبين كعب ، فأجمعوا أمرهم على أن يأتوه إذا أمسى لميعاده ، ثم أتوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله عشاء وأخبروه ، فمشى معهم حتى اتى البقيع ، ثم وجّههم ، ثم قال :
« امضوا على بركة اللّه وعونه اللّهم أعنهم » .
( 2 ) فمضوا حتى أتوا ابن الأشرف ، فلمّا انتهوا إلى حصنه هتف به أبو نائلة ، وكان ابن الأشرف حديث عهد بعرس ، فوثب من فراشه ، فأخذت امرأته بناحية ملحفته وقالت : أين تذهب ، إنك رجل محارب ، ولا ينزل مثلك في هذه الساعة ؟ ؟
فقال ابن الأشرف : ميعاد ، إنما هو أخي أبو نائلة .
ثم نزل إليهم فحيّاهم ، ثم جلسوا فتحدثوا ساعة حتى اطمأن إليهم .
ثم قالوا له : يا ابن الأشرف : هل لك أن تتمشّى إلى شعب العجوز ( وهو موضع قرب المدينة ) فنتحدث فيه بقيّة ليلتنا .
فخرجوا يتماشون حتى ابتعدوا عن حصنه ، وبينما هم كذلك إذ أدخل أبو نائلة يده في رأس كعب ثم شم يده فقال : ويحك ما أطيب عطرك هذا يا ابن الأشرف ، ثم مشى ساعة ، ثم كرّر هذا العمل ثانية حتى اطمأن ثم مشى ساعة
سيد المرسلين — صفحة 134
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٣٤