( 1 )
عقيدة العرب حول حالة الإنسان بعد الموت :
وعن مصير الإنسان وحالته ما بعد الموت هذه المشكلة الفلسفية العويصة كانت رؤية العرب ونظرتهم تتلخص في ما يلي :
عندما يموت الانسان تخرج روحه من جسده على هيئة طائر شبيه بالبوم يسمى عندهم ب « الهامّة والصدى » ثم يبقى هذا الطائر قريبا من جسد الميت ينوح نوحا مقرحا وموحشا ، وعندما يوارى الميت يبقى هذا الطائر مقيما عند قبره إلى الأبد !
وربما وقف على جدار منزل الميت أحيانا لتسقّط أخبار عائلته والاطلاع على أحوالهم ! !
قال شاعرهم في ذلك :
سلّط الموت والمنون عليهم * فلهم في صدى المقابر هام
وإذا كان المرء قد مات بموتة غير طبيعية كما لو قتل - مثلا - فإن ذلك الحيوان ينادي باستمرار : « اسقوني . . . اسقوني » اي اسقوني بسفك دم القاتل واراقته ؛ ولا يسكن عن هذا النواح والنداء الخاص الا بعد الانتقام والثأر من قاتله .
قال أحدهم في ذلك :
فيا ربّ إن أهلك ولم تروها متى * بليلي أمت لا قبر أعطش من قبري « 1 »
( 2 ) من هنا بالضبط تتجلى الحقيقة للقارئ ويعلم جيدا كيف أن تاريخ العرب ما قبل الإسلام وتاريخهم ما بعد الإسلام ما هو الّا تاريخان على طرفي نقيض :
فذلك تاريخ جاهلية ، ووثنية وإجرام ، وهذا تاريخ علم ووحدانية وانسانية وايمان ، وشتان ما بين وأد البنات ، وبين رعاية الأيتام ، وبين السلب والنهب والإغارة وبين المواساة والايثار ، وبين عبادة الأوثان والأصنام الصماء العمياء
هامش
( 1 ) بلوغ الإرب . ج 2 ص 311 و 312 .