تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سيد المرسلين — صفحة 331

مساهمون:

ص٣٣١
يعملون لتحقيق هذه الأهداف ليل نهار ، بلا سأم ولا ملل ، ولا تعب ولا نصب . فكيف يمكن القول والحال هذه بان الشخصية الباطنية تجلّت لديهم وأوحت إليهم بحقائق وقيم وأفكار ؟ إن تفسير ( الوحي الإلهي ) الذي يلقى إلى الأنبياء ويكشف لهم عن أدق الحقائق وارفعها ، وأعظم المناهج واكملها ، بتجلّي الشخصية الباطنية ، ناشئ من اعتقاد هذا الفريق من العلماء بأصالة المادة ، أو بعبارة أخرى : حصر الوجود في المادة ، ومن هنا حاولوا إلباس كل شيء حتى الأمور المعنوية والغيبية : اللباس الماديّ ، واغلقوا على أنفسهم باب عوالم الغيب ، وعمدوا إلى التفتيش عن علة مادية حتى لظاهرة ( الوحي ) التي لا تقاس بمقاييس العالم المادّي . هذا مضافا إلى أن تفسير ( الوحي الالهيّ ) عن طريق نظرية تجلّي الشخصية الباطنية ، وخاصة في شأن رسول الإسلام « محمّد » صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يواجه اشكالات ومؤاخذات أخرى تجعل هذه النظرية في عداد الأساطير ! ! وإنّ ابرز هذه الاشكالات الواردة على هذه النظرية في مجال رسول الإسلام صلّى اللّه عليه وآله هي : أنّ هذه النظرية ليست رأيا جديدا وتهمة جديدة توجه إلى نبوة رسول الإسلام . ( 1 ) فان نظرية « الشخصية الباطنية ، والوحي النفسي الذاتي » هي نظرية متبلورة ومتقدمة لتهمة ( الجنون والصرع ) التي كان يرمي بها العرب الجاهليّون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ! ! فقد كان المشركون في بدء الدعوة يقولون : ان ما يقوله « محمّد » وما يتكلم به ليس إلا أفكاره القلقة المضطربة الناشئة عن خياله ، وانّ القرآن هي تلك الأفكار المضطربة التي تسربت إلى فضاء عقله من دون إرادة منه ولا اختيار ! ! ( 2 ) لنستمع إلى القرآن الكريم وهو ينقل عنهم هذا الاتهام :
« بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ »
« 1 » .
هامش
( 1 ) الأنبياء : 5 .
سيد المرسلين — صفحة 331 | الشيخ جعفر السبحاني