لا يوجس خيفة ، ولا يشعر بوجل من عمله ، بل هو فعل من قد هيّأ نفسه لكل الاخطار المحتملة ، واستعد لكل النتائج مهما كانت خطيرة .
( 1 ) بل الأعجب من هذا كله دراسة وضع « إبراهيم » نفسه حينما كان في المنجنيق وقد تيقّن أنه سيكون وسط ألسنة اللهب بعد هنيئة ، وتلتهمه النار المستعرة تلك النار التي جمع أهل « بابل » لها الحطب الكثير تقربا إلى آلهتهم ، وكانوا يعتبرون ذلك العمل واجبا مقدسا . . . تلك النار التي كان لهيبها من القوة بحيث ما كانت الطيور تستطيع من التحليق على مقربة منها .
في هذه اللحظة الخطيرة الحساسة جاءه جبرئيل واعلن عن استعداده لانقاذه وتخليصه من تلك المهلكة الرهيبة قائلا له : هل لك إليّ من حاجة ؟
فقال « إبراهيم » : أما إليك فلا ، وأما إلى ربّ العالمين فنعم « 1 » .
ان هذا الجواب يجسّد ايمان « إبراهيم » العظيم ، وروحه الكبرى .
( 2 ) لقد كان « نمرود » الذي جلس يراقب تلك النار من عدة فراسخ ، ينتظر بفارغ الصبر لحظة الانتقام ، وكان يحب ان يرى كيف تلتهم ألسنة النار « إبراهيم » . فما أرهب تلك اللحظات !
لقد اشتغل المنجنيق ، وبهزّة واحدة القي بإبراهيم عليه السّلام في وسط النار غير أن مشيئة اللّه ، وارادته النافذة تدخلت فورا لتخلص خليل اللّه ونبيه العظيم ، فحوّلت تلك النّار المحرقة التي أو قدتها يد البشر إلى روضة خضراء وجنينة زاهرة أدهشت الجميع حتى أنّ « إبراهيم » التفت إلى « آزر » وقال - من دون ارادته - :
« يا آزر ما أكرم إبراهيم على ربّه » « 2 » .
( 3 ) إن انقلاب تلك النّار الهائلة إلى روضة خضراء لإبراهيم قد تمّ بأمر اللّه المسبب للأسباب والمعطل لها متى شاء ، المعطي لها آثارها ، والسالب عنها ذلك ، متى أراد .
هامش
( 1 ) عيون أخبار الرضا : ص 136 ، وأمالي الصدوق : ص 274 ، وبحار الأنوار : ج 12 ص 35 .
( 2 ) تفسير البرهان : ج 3 ص 64 .