فحينما وصل أبو سفيان إلى أمير المؤمنين عليه السّلام قال محرّضا : ما بال هذا الأمر في أقلّ حيّ من قريش ؟ واللّه لو شئت لأملأنّها عليه خيلا ورجلا أين الأذلّان ؟ أين المستضعفان ؟ أبا حسن ابسط يدك أبايعك .
فأجابه أمير المؤمنين عليه السّلام : يا أبا سفيان طالما عاديت الإسلام وأهله « 1 » .
وكان باستطاعة عليّ عليه السّلام أن يشتري صوته ليثير بذلك حربا لا تطفؤها إلّا الدماء من الحيّين ، يعود ضررها على المسلمين جميعا .
إلّا أنّه عليه السّلام لم يطلب السلطة ساعة من الدهر ، كيف وقد تنازل عن حقّه حفظا على دين محمّد صلّى اللّه عليه وآله ؟
وهو القائل : « فخشيت أن أرى في الإسلام هدما أو ثلما تكون المصيبة عليّ أعظم من فوت إمرتكم « 2 » ، فعندئذ سالمت ! ولأسالمنّ ما سلمت أمور المسلمين ، ما لم يكن فيها جور إلّا عليّ خاصّة » « 3 » .
وهو القائل : « اللهمّ إنّك تعلم أنّه لم يكن الذي كان منّا منافسة في سلطان ، ولا التماس شيء من فضول الحطام ، ولكن لتقام المعطّلة من حدودك ولنردّ المعالم إلى دينك ، وليأمن المظلومون من عبادك . . . » « 4 » .
فمن الواضح أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام ترك المقاومة إبقاء على الدين والشريعة .
وجاء دور الخليفة الثاني ليحسم الموقف وقد رأى أبا سفيان يهدر كالبعير يثير الفتنة ويضرم النار في الصدور ، فعلم الخليفة الثاني أنّه سيبطل جميع مخطّطاته ،
هامش
( 1 ) راجع تفصيل ذلك في تاريخ الطبري : 2 / 449 ، شرح نهج البلاغة : 1 / 221 ، بحار الأنوار : 28 / 328 ، الغدير : 3 / 253 .
( 2 ) نهج البلاغة : الكتاب 62 .
( 3 ) من كلام له عليه السّلام : نهج البلاغة : الخطبة 74 .
( 4 ) من كلام له عليه السّلام : نهج البلاغة : الخطبة : 131 .